الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

المسار الأفعواني لـ"اليسار الوحدوي".. قصة حلقة الساسي وقبيلة مجاهد والمناضلين الوشاة والمخبرين

 
عبد الكريم التابي
 
 
حين يعلم الناس أن من تم تكليفه بالتوقيع بالأحرف الأولى على مشروع "أرضية" آخر ساعة، لتيار آخر ساعة المسمى "اليسار الوحدوي"، الذي يتزعمه محمد الساسي ومحمد مجاهد، هو عينه من وقّع نداء توقيف المقاطعة الشعبية والانتصار للرأسمال المستغل المستبد (محروقات إفريقيا وسيدي علي وسانترال ليتيير أساسا)، سيدرك أولئك الناس أن محمد حفيظ الذي طلبت منه الأمينة العامة سحب توقيعه من ذلك النداء/العار ولم يفعل، هو الذي يرفع الصوت والسوط، اليوم، نيابة عن آخرين قدموه للاحتراق النهائي في تلك "الأرضية" ضد الحزب وضد نبيلة منيب بشكل محدد ومشخصن بما فيه الكفاية، وهو الذي "يخرّج" عينيه اليوم دون حياء أو خجل مما اقترفت يداه في عز مقاطعة الشعب، ويتمادى في السقوط اليوم حين يخرج كل مرة ليكذّب ما يتم إقراره داخل المكتب السياسي، الذي هو عضو فيه ويحضر أشغاله على مزاجه هو ومن يشاطره نفس التنصل الأخلاقي مما يشهد عليه الحاضرون وتشهد عليه المحاضر...
 
وحين يعلمون أن الموقّع الثاني عضو المكتب السياسي (منذر السهامي) المحسوب على "جمعية" الساسي، كان عقد تحالفا في انتخابات 2009 الجماعية مع أعضاء محسوبين على حزب يسمى "الإنصاف والتجديد"، مكّنه من أن يظفر بمقعد نائب للرئيس في مكتب المجلس الجماعي القروي لجماعة مزوي التابعة لإقليم خريبكة، سيدرك أي "يسار وحدوي" يسعى إليه متزعمَا هذه الحركة التخريبية (الساسي ومجاهد) المشكوك في بواعثها في هذا التوقيت السياسي، وعلى بعد أسابيع معدودة من الانتخابات...
 
وحين يعلم الناس أن الساسي وجمعيته، الذي كان اشترط للاندماج مع اليسار الاشتراكي الموحد، ضرورة حذف اسم اليسار وتعويضه بالحزب الاشتراكي الموحد، يعود اليوم ليسمي "التيار"، الذي وضع له بمعية مجاهد "أرضية"، سماه في مفارقة انتهازية مفضوحة "اليسار الوحدوي"، سيدركون أي غايات ومرامي يسعى الساسي إلى بلوغها.
 
وحينما يعلمون أن الساسي الذي يطرح نفسه بطلا وحدويا موحدا، كان نافس المناضل الفقيد أحمد بنجلون الذي شارك حزبه الطليعة في انتخابات 2007 بعد طول مقاطعة، في نفس الدائرة الانتخابية بالرباط، سيعرفون أن ما يتشدق به في بلاتوهات التلفزيونات وفي القاعات العمومية والفنادق، لا علاقة له بما يضمره في دواخله، وسيعرفون أي أخلاق نضالية تسمح بمزاحمة مناضل استثنائي مختلف يدخل غمار الانتخابات والذي كان مفروضا في الساسي أن يدعمه ويسنده بلا قيد أو شرط.
 
وحين يعلم الناس أن جزءا كبيرا من تلك الأرضية البئيسة، خُصص للسب والقذف في حق الأمينة العامة، التي لم يستطيعوا مجاراة إيقاعها النضالي عملا وحركة وتواصلا وصدقا، ما جعلها تحظى باحترام وتقدير غالبية مناضلي ومناضلات الحزب والمتعاطفين معه من عموم الناس، الشيء الذي حاول الاثنان تشويهه في الأرضية في توصيف سمياه بـ"القداسة والصنمية" في تحقير وحط من قيمة المناضلات والمناضلين، وهما يتجاهلان أن من تنطبق عليه تلك الصفات، هو الساسي الذي يمسك برقبة تلك الجمعية منذ نشأتها في أحضان الاتحاد الاشتراكي سنة 2001، ولا يستطيع اي عضو من أعضائها (باستثناءات ضعيفة جدا لها حريتها واستقلاليتها في ما تراه تقديرا صائبا) أن يفكر أو يبدي رأيه من خارج عقل ومزاج "الزعيم"، وهو مجاهد الذي يجثم على رأس تلك "الحلقة" المقيدة بسلسلة ذرعها سبعون ذراعا منذ 1995، ولا يستطيع أي عضو/مريد فيها أن يفكر خارج عقل ومزاج الشيخ الخالد، الذي تصدر عنه ومنه التعليمات و"البركات". بينما نبيلة منيب كانت طيلة مسارها السياسي، منذ 1985 إلى 2012 حين انتخابها أمينة عامة، مناضلة عادية لم تجمع حولها أتباعا ولا مريدين، بل لم يسطع نجمها ولم يعرفها الناس إلا عندما فجرت طاقاتها وقدراتها على القيادة التي لا يملك منها مجاهد أساسا حبة خردل.
 
وفي المقابل، فإن مكون منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، لم يؤمن بالوحدة فقط كشعار، بل ترجمها عمليا من خلال انتشار وتوزع مناضلاته ومناضليه على تعبيرات الحزب ومكوناته، فمنهم من اختار الاصطفاف مع الساسي عينه، ومنهم من انضم إلى تيار آخر(اليسار المواطن والمناصفة) ومنهم من بقي على مسافة من الجميع، وأكثر من هذا وذاك أن قياديين قدامى اصطفوا بشكل أو بآخر جنب الساسي ومجاهد، حتى اليوم، في هذه اللحظة المفصلية، وهم الذين يصفهم هؤلاء في انتهازية مكشوفة بـ"العقلاء".
 
وحين يعلم الناس أن "فؤاد عالي الهمة" قبل تأسيس حركة لكل الديمقراطيين وحزب البام في ما بعد، كان دعا الساسي وحفيظ للقاء خاص دون غيرهما من العالمين في تصرف غريب طرح أكثر من علامات تعجب واستفهام، وهما الملتحقان حديثا في إطار الاندماج بما اصبح يعرف بالحزب الاشتراكي الموحد، الذي يعج بكثير من الكوادر والقيادات من مختلف المكونات، وبعده في لقاء ثان في بيت عزيز أخنوش حضره إلى جانب الاثنين سالفي الذكر، محمد مجاهد، الذي كان وقتها أمينا عاما للحزب، سيعرفون أن خيوط الود لا يمكن أن تنقطع، ولاشك يتم استحضارها كلما دعت الضرورة إلى ذلك.
 
وحين يعلم الناس أن محمد مجاهد عرفت ولايتاه السابقتان للأمانة العامة للحزب ضمورا وانكماشا غير مسبوقين، وأنه تسبب في خراب أو تخريب عدد من الفروع التي كان يريدها مجرد جيوب تابعة له، ولعل أبشع الصور، مثّلها فرع ورزازات خلال سنة 2007، لما كان حاضرا بمعية بعض السكان في لقاء مع بعض مسؤولي العمالة لطرح مشاكلهم، فإذا رئيس مصلحة الشؤون العامة (RG)، يفاجئهم برسالة موقعة من طرف الأمين العام محمد مجاهد يخبرهم من خلالها أنهم مطرودون، ولم تعد لهم صفة لتمثيل الحزب هناك في ورزازات. وقد حدث ذلك حينما تمت تزكية مرشح لا علاقة له باليسار مقابل إقصاء الرفيق عمر أوبوهو الذي زكاهُ الفرعُ الحزبي بالطرق والمساطر القانونية. فهل يقدم على هذا السلوك أمين عام لحزب يساري؟؟؟ وكما حدث أيضا في سطات، التي يوجد بها الأمين العام ذاته، والذي بدل أن تكون له الجرأة ويترشح هو نفسه في إطار تحالف اليسار، فسح المجال أمام المدعو عادل الأطلسي الشهير بـ"ولد زعيط"، الذي بمجرد فوزه بالمقعد البرلماني، رحل إلى حزب الاستقلال!
 
لا أدري أي مصير كانت ستلقاه جمعية الساسي وحلقة مجاهد، لو لم يجدا في منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، حزبا ضحى صادقا بكل شيء من أجل مشروع تعاملا معه تعامل اللئام. فإذا كان الرفيق إبراهيم ياسين أحد الذين دبروا عن صدق وقناعة مشروع اندماج ما سمي باليسار الاشتراكي الموحد سنة 2002 والحزب الاشتراكي الموحد بعد الاندماج الثاني الذي كانت جمعية الوفاء للديمقراطية طرفه الثاني سنة 2005 ومشروع فدرالية اليسار سنة 2014، (إذا كان الرفيق ياسين) بصدقه الأرثوذكسي تعامل بما هو مشهود له بالاستقامة والنزاهة وبما لا يمكن أن يحيده عن الروح الوحدوية الحقيقية، وبما يخدم اليسار وبما يساهم في تشكيل قوة يسارية وازنة تؤثر بهذا القدر أو ذاك في موازين القوى، فإن الآخرين، وعلى وجه التحديد مجاهد (الزعيم الأبدي الخالد لما كان يسمى بالديمقراطيين المستقلين) ومحمد الساسي (الزعيم الأبدي الخالد لتلك الجمعية التي خرجت من الاتحاد الاشتراكي وسميت بجمعية "الوفاء" للديمقراطية التي لم تعط في ما بعد ما يفيد من الأدلة العملية الملموسة والسلوك أنها وفية حقا للديمقراطية)، أبانا عندما خرج المشروع الاندماجي إلى الحياة وصار يمشي على الأرض، عما هو متأصل فيهما من المكر والمناورات لقرصنة الحزب المندمج والهيمنة على مفاصله بغرض تحويله اتجاهه إلى وجهات هلامية عند مجاهد ومعلومة عند الساسي لا تخرج عن ذلك الوهم بإعادة توحيد الحركة الاتحادية أو بعضها، لكن ليس من موقع صغير لم يكن ليلقى أدنى صدى أو تأثير عند بعض متفرعات الاتحاد الاشتراكي كحزب الطليعة، الذي يعلم الساسي أنه لا يستطيع اللعب معه ومع مركزيته التي لن تترك له المجال للمراوغة والانقضاض على حزبٍ شارك (الساسي)، بالفعل أو بالصمت، في التآمر عليه في واقعة ماي 83 الشهيرة، ونفس الأمر مع المؤتمر الاتحادي المتمرس من خلال النقابة على كل الأشكال المعروفة في إعداد المؤتمرات وصنع الهياكل وغيرها مما لا يقدر عليه الساسي، لأن لسان حال المؤتمر يقول: "اللي ف راس الجمل ف راس الجمالة".
 
وحتى لا يعد كلامنا مجرد ردود فعل لا سند ولا حجة لها، فإننا سننطلق مما كثفه الرفيق المناضل محمد بنسعيد في الجزء الأول من كتابه (هكذا تكلم بنسعيد) إضافة إلى موجز من الوقائع التي شهدها مسار الحزب "الموحد" في 2002 و2005 و2018.
 
يقول الرفيق بنسعيد في الصفحتين 205 ـ 206: (كانت المنظمة في ذلك الوقت قد بلغت حدا متقدما من الديمقراطية الداخلية كما أسلفت، وأصبح الانتخاب بالاقتراع السري، وجو النزاهة هو السائد فيها، بحيث لم تعد ثمة تدخلات ولا لجان ترشيح. بيد أن وحدة هذه الأطراف الأربعة، أعادتنا القهقرى عندما تسربت إلينا معها سلوكات جديدة كنا قطعنا معها بعد أشواط من المران والتمرس الديمقراطيين...".
 
ولا يتعلق الأمر في ذلك بـ"الأخلاقيات" فقط، بل أيضا بأشكال من الفهم والممارسة التنظيميين تبلغ أحيانا حد التنافي مع فكرة التنظيم ذاتها بسبب ذلك القدر الكبير فيها من الليبرالية بالمعنى السلبي للكلمة. فمازال الجميع يذكر مثلا كيف أن بعضا منهم ـوبينهم من كان في مواقع قياديةـ كانوا منشغلين في عز معركة بناء الوحدة، بالدعوة والعمل بهمة لحساب معركة أخرى هي معركة "قتل الأب" كما كانوا يقولون وكانوا يقصدون طبعا منظمة العمل الديمقراطي الشعبي.
 
ظهرت الدسائس مع المؤتمر التأسيسي، حين تم منع بنسعيد من الترشح للجنة المركزية، كما تم منعه في سلوك حقير من حقه في تناول الكلمة.
 
ومن أقبح السلوكات، التي حيكت في الظلام، أن أحدهما قال للآخر ذات مشروع دسيسة مبيتة: (يالله نصفيو الحزب من المنظمة، رد عليه الآخر بجواب مخاتل وهو يبدي غير ما يضمر: ما يمكنش نصفي اللي دخلني من الشتا)، لكن العقرب لا يمكن أن يتحول إلى فراشة ناعمة الملمس، زاهية الألوان، فاختبأ كعادته يناور هنا وهناك ويستميل هذا ويقدم ذاك حطبا يؤجج به النعرات والصراعات...
 
في المؤتمر الاندماجي، الذي التحقت به جمعية الساسي، تم ضبط لائحة مغلقة لا تتضمن أي اسم من المنظمة بمن فيهم بنسعيد بعد خرق الاتفاق، حتى يتسنى لهذه الجمعية الصغيرة التواجد بعدد مهم في هيئات الحزب، بل إن هذه المناورة الخبيثة مكنت الساسي من الحصول على أعلى الأصوات متقدما على بنسعيد. وسيتكرر نفس الأمر في المؤتمر الرابع لما تم بالصدفة العثور على لائحة أعدها أتباع مجاهد تخلو من أي اسم من مكون المنظمة بمن فيهم أيضا بنسعيد!!!
 
استمر الأول مخلصا لترجمة الدسيسة بالتقسيط على كل زمن الحزب الاشتراكي الموحد، فيما الثاني اختار المخاتلة وتغيير الأقنعة حسب الحاجة والطلب ملزما جمعيته التي لا تعصى له كلمة أو قرارا صادرا من وعن ذلك العقل المزدوج الذي يضمر في الداخل ما لا يبدي للناس في الظاهر، بالانكماش والتواري عن أي صراع علني في صفحة مجموعة الحزب، لأنه من المؤكد أنه يحصنها داخل مجموعة خاصة مغلقة كما هو الشأن ذاته مع حلقة مجاهد.
 
ورغم أن جماعة الساسي ومجاهد لم تكن إحداهما تطمئن إلى الأخرى أو تستحملها، إلا أن هوس الاندماج السريع قلل من "سوء الفهم" الصغير، رغم أن الساسي كان إلى وقت قريب جدا لا يختلف مع نبيلة منيب ومن معها في الأغلبية بخصوص الاندماج وأفقه المنظور في انتظار إنضاج الشروط، لكنه سرعان ما انقلب ووضع يده في يد مجاهد الذي كان منذ زمن يرى أن فاكهة الاندماج قد نضجت وحان قطافها، ما يفيد أن الحزب الاشتراكي الموحد والفدرالية استنفدا ـفي تقديرهـ عمرهما البيولوجي ودواعي وجودهما من الأصل، مادامت تباشير "الحزب الكبير المندمج" صارت على مرمى من أرنبة أنفه، وكان يعضد رأيه ذلك، قيادة حزب المؤتمر الاتحادي التي لها امتدادات نقابية داخل "البسي" وتحديدا مع مجاهد وجماعته من أمثال الشناوي، الذين يرون في الاندماج السريع، تعزيزا لمواقعهم داخل النقابة وما يتحصلونه من امتيازات وريع لعل أسطع أمثلتها الشناوي الذي رأس نقابة الصحة لثلاث ولايات ومازال على رأسها رغم إحالته على التقاعد منذ 2017. هذا الوضع جعل حزب المؤتمر يضغط على الأمينة العامة من خلال ما صار يصطلح عليه بين مناضلي الحزب الاشتراكي الموحد بـ"جالية المؤتمر الاتحادي داخل البسي" والتي برز منها وشاة ومخبرون، منهم من ضُبط متلبسا بـ"سكرين" التدوينات وإيصالها لفائدة حزب المؤتمر) التي يتزعمها مجاهد الذي أعطى لنفسه الحق في التفاوض حول ملف الاندماج خارج مؤسسات الحزب الناطقة باسمه والمعبرة عن مواقفه، حتى غدا أعضاء الهيئة التقريرية المحسوبون على "البسي" والتابعون لمجاهد والساسي، يدخلون في صراع دائم مع الأمينة العامة وبعض الأعضاء، وكأنهم أعضاء في حزب المؤتمر ولا علاقة تربطهم بالاشتراكي الموحد.
 
كل إخفاق مجاهد والساسي كانا يعلقانه على شماعة الأمينة العامة نبيلة منيب، التي ألحقت بمجاهد هزيمة نفسية بعدما تمكّنت من أن تضع لها بعملها وجهدها ونضالها وصدقها وجرأتها بصمة في مسار الحزب واليسار، بفضلها عرف كثير من الناس الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار، وبكثير من الفضل، فاز بلافريج ـ الذي أوهموه أنه هو من بإمكانه أن يضيق الخناق على المساحة التي تشغلها منيب عند الناس وفي الإعلام ووضعوه في الفوهة وبعد أن دخل الحرب، التي كان من أوسخها ذلك السؤال الكتابي الوسخ، الذي رفعه ضد نبيلة منيب إلى رئيس الحكومة سعد الدين العثماني حول رأيها بخصوص كورونا، ثم احترق وغادرـ ، وبكثير من الفضل، ضمن الشناوي، ذلك النقابي المتقاعد المتريّع، مقعدا له في البرلمان والذي قال في إحدى خرجاته بعد منتصف الليل: (المقعد جبتو بدراعي)، وإذا ناقشه أحد أو اختلف معه يحظره "يبلوكيه" قبل أن يرتد إليه طرفه أو يتصل به على الخاص، ويقول له: (ديها فراسك، فوتني عليك، راني ما نصلحش ليك)، إلا أن اللئيم الجاحد بطبعه سرعان ما يتناسى كل شيء...
 
هذه الكاريزما وهذا الرصيد، اللذان تمتلكهما نبيلة منيب، هما ما كان يفتقره مجاهد ولم يجد إلى قلوب الناس والرفاق على السواء طريقا، فكان لابد من "الجهاد" من أجل قتل ذلك الأب الرمزي (م/ع/د/ش) التي كانت تقول لا لنظام الحسن الثاني من عقر الدار، ولم تنحن لتهديداته بضرورة الانضمام إلى جوقة المصوتين بـ"الإجماع" على دستور 1996 ولم تمت بعد الانشقاق، فإن كنا نحن ننسى، فإن المخزن لا ينسى.
 
ولعل أقبح سلوك ورد في تلك الأرضية، هو استحضارها للرفيق بنسعيد من خلال رسالة/فيديو كان بعث بها إلى الحزب وقيادته، والذي صار كثير من الذين كانوا لا يطيقونه (ومازالوا في السر)، يصفونه بالحكيم والمتعقل، في تعارض ونفاق تامين مع ما كانوا يعلنون ويضمرون. فإذا كان الرفيق بنسعيد حكيما ومتعقلا في تصريحه في فيديو 2021، فينبغي منطقيا والحالة هذه أن يكون على نفس التوصيف في شريط 2019، الذي إذا ما عدنا إليه، فإننا لن نجد بالمطلق أي تفاعل إيجابي معه لا بالتعليق ولا بالجمجمة والقلوب الحمراء ولا بالاستشهاد به على سبيل الذكر والاستدلال، لأنه (بنسعيد) لم يصرح ساعتها بما يوافق هوى ورغبات ذلك البعض ما يعني بالنتيجة أنه ساعتها كان "معتوها" Fou ولم يكن حكيما Sage.
 
أما القفز والتقافز الثاني، فيكمن في كون المتهافتين يقفزون على كل ما جاء في الفيديو الأول الذي قال فيه إن "الاندماج لا ينبغي أن يكون سريعا، وأنه يجب أن تخضع تجربة اندماج الحزب للتقييم"، لأنه في استنتاجه (كما في استنتاج جزء عريض من الرفاق والرفيقات) أن الاندماج لم يكن صحيحا، ولم يقدم تقدما ملحوظا في الساحة مع الجماهير، وتابع بأنه لكي يكون ناضجا ينبغي أن يكون على صعيد قواعد كل أحزاب الفدرالية، والأهم أنه قال لست ضد الاندماج، لكن ينبغي أن يكون مؤسسا على أسس وقواعد ديمقراطية.
 
تَعاملَ مجاهد والساسي وأتباعهما مع شريط فيديو الرفيق بنسعيد، كما يتعامل بعض الدعاة مع الآيات القرآنية في مسألة الناسخ والمنسوخ، فيعتبرون في قراءة سطحية أن فيديو 2021 "يجبّ" ما قبله أو بعبارة أصح ينسخه، وكأن بنسعيد أخطأ القول والتقدير في فيديو 2019، وفضلا عن ذلك، كانوا يعملون أيضا على ليّ بعض عبارات تصريح 2021 لتوافق أمزجتهم وهواهم كما يلوي بعض دعاة الإعجاز العلمي في القرآن، الآيات القرآنية بحثا عن طوق النجاة من بعض مما أثبته العلم، وذلك لسبب بسيط، هو أنهم لا يعرفون بنسعيد الذي لن يقبل في أي حال من الأحوال أن يذهب إلى الهيجاء بدون سلاح، وهو ما قلناه لهم حينها وساعتها، وتم تأكيده من خلال التصريح الأخير لبنسعيد الذي استهجن ما جاء في تلك الأرضية المتهافتة.
 
ولما صدمهم قبل ثلاثة أيام من اليوم (بلعوا ألسنتهم) بتصريح قال فيه "إن بروز تيار في هذه الظروف، أمر غير إيجابي البتة"، وأضاف "عندما يندرج بروز تيار في إطار صراعات داخلية وليس صراعات خارجية، فإن النتيجة ستكون دوما سلبية حتى على آفاق الوحدة نفسها"، وتابع بنسعيد: "ستدمر مثل هذه الأعمال كل شيء، لأن التيارات لم يكن يوما سبيلها أن تظهر فقط على واجهات الصحف، وأن تعطي لصراعها الداخلي مضمونا إعلاميا فقط، لا يجعلها ذلك تيارا". ويسترسل مؤكدا أن "أرضية اليسار الوحدوي ليست تيارا، وإنما وجهة نظر قررت أن تطرح الخلافات بعيدا عن المؤسسات الحزبية، بينما كان يجب أن تطرح داخلها". ويضيف بنسعيد: "أي تيار يخطط لنقل صراع داخلي إلى الخارج، فهو يفعل ذلك فقط لتسويق نفسه". ويتابع: "ما يحدث ليس جيدا بتاتا، ولا يقود إلى تقوية الحزب ومؤسساته أبدا"، يؤكد أيت إيدر، ويوضح: "بدل أن نقوي أنفسنا، ونفتح أفاقا للتوجهات الوحدوية، فإننا نرى أن هذه الأعمال تضعف النفَس الوحدوي، لذلك، لست متحمسا لما يجري الآن، ولست متفقا عليه"، ثم أضاف: "كان عليهم أن ينتقدوها داخل المؤسسة، وليس بنشر التصريحات ضدها في وسائل الإعلام.. بهذه الطريقة ليس هناك أي شيء مفيد، ومن دون شك، فإن ما يفعلونه غير منتج".
 
ودافع محمد بنسعيد أيت إيدر عن منيب قائلا: "لقد لعبت دورا متقدما، نعم لديها أخطاؤها، لكن كان يتعين أن تُطرح هذه الأخطاء داخل المؤسسة. إن منيب سيدة مناضلة، والطريقة التي يجري التعامل بها معها الآن تبيّن عجز أصحابها فقط". ويستدرك قائلا: "كان ينبغي معالجة الإشكالات المطروحة في إطار المؤسسة، وهي موجودة، وكان على الرفاق أن يطلبوا حوارا داخليا، لكنهم لم يفعلوا". ويضيف بنبرة تشديد: "ما يفعله الرفاق حاليا لا يعزز أي تقدم".
 
وإذا كانت لمجاهد والساسي مسؤولية كبرى في ما آل إليه وضع الاشتراكي الموحد، فإن لمكوني الفدرالية، بدرجات متفاوتة، بعض المسؤولية في استمالة طرف على حساب طرف آخر، وفي معرفتهم بمشاكل الاشتراكي الموحد، وعلى الرغم من ذلك يصرون على أن يندمج بالقوة، وفي معرفتهم أن تجربة واحد وعشرين سنة من عمر الاشتراكي الموحد، كانت فاشلة، وعلى الرغم من ذلك، يصرون على الذهاب إلى اندماج مجهول المصير سيكون عبارة عن خليط هجين موبوء بكل الأمراض والمشاكل والتشوهات، التي يحملها كل مكون في جسمه، وسيكون عبارة عن معبر لكثير من الانتهازيين والمتريّعين لإعادة إنتاج مسخ "يساري" سيزيد في تعزيز تلك الصورة السلبية للأحزاب عند المواطنين. والتاريخ سيحفظ لكل واحد دوره في ما يجري ويصير داخل "البسي" ومعه الفدرالية. والرابح من كل هذا هو الذي يستمرئ تدبير الانشقاقات بالاندماجات الهشة السطحية المزيفة المبنية على ركيزة "يا الله نتجمعو ومدبرها حكيم".
وبيننا الزمن...