الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم
في الإطار: أحمد المرادي والمحجوب بنموسى

الفاجعة الكبرى طرد الجالية المغربية من الجزائر.. رسالة مفتوحة إلى أصحاب "بندقية للإيجار"

 
رسالة مفتوحة إلى أصحاب "بندقية للإيجار"
 
أحمد المرادي
 
ترددت كثيرا قبل كتابة هذا التقديم، لنشر هذا الفصل، الذي يحمل عنوان "الفاجعة الكبرى طرد الجالية المغربية من الجزائر"، من كتاب "سفر المنفي.. رحلة من الحلم إلى الوهم"، لصديقي المنفي السياسي سابقا، والكاتب والفنان السينمائي المغربي المحجوب بنموسى، المقيم بين المغرب وهولندا.
 
ولعل من أسباب التردد هو الغموض، الذي ما زال يحجب الرؤية لدى العديد من الملتزمين تنظيميا وسياسيا، سواء في صفوف ما يطلق عليه صحفيا "اليسار"، أو في صفوف قوى ترتكز سياستها على "التقية" ممزوجة بالكذب وتجييش التعاطف والأتباع انتظارا لظرفية شبيهة بما وقع في إيران سنة 1979، أو ما وقع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، للانقضاض على السلطة وتدمير كل ما تم تحقيقه من شعوب هذه المنطقة ضمن سياق دول وطنية.
 
لذلك لا يجد هؤلاء وأولئك غضاضة في استجداء دعم قوى خارجية، لا تفوّت الفرص من أجل أن تتصيد المناسبات للضغط على الدول والمؤسسات الوطنية، تحقيقا لمكاسب اقتصادية وسياسية وثقافية، تضمن لها مصالحها على المدى المتوسط والبعيد،
 
الكثير من التجارب تثبت أن الاعتماد على القوى الأجنبية اختيار فاشل، قبل أن يكون اختيار خيانة، فهو يقتضي دفع الحساب في أول خطوة إن لم يكن قبل أي خطوة.
 
إن اعتماد الجمعيات الحقوقية والثقافية وحتى الدينية والسياسية والإعلامية على تمويلات الخارج وتكوينات الخارج دون ضوابط قانونية وسياسية، يطرح أكثر من قضية، ليس هذا مجال بحثها أو الخوض فيها، وربما سيكون لنا عودة إليها في موضوع آخر ومرة أخرى.
 
هذا الفصل من كتاب "سفر المنفى، رحلة من الحلم إلى الوهم"، للصديق المحجوب بنموسى والذي صدر السنة الماضية 2023 عن منشورات دار التوحيدي بالرباط، يضعنا أمام مسؤولية معرفية وأنطولوجية، خصوصا في عصر أصبح فيه العالم "قرية صغيرة" بحكم الاختراق الخطير لوسائط التواصل والتأثير على الشعوب، ويضع "النخب" أمام مسؤوليات كبرى في حماية "الدولة الوطنية"، في مواجهة محاولات اختراق المتربصين والمنافسين والطامعين...
 
ننشر هذا الفصل، هنا، للعبرة واستخلاص العبرة للصادقين، أما الذين باعوا أنفسهم، فليسوا أكثر من "بندقية للإيجار".
 
 
الفاجعة الكبرى طرد الجالية المغربية من الجزائر
 
المحجوب بنموسى
 
شاهدت في حياتي عدة أفلام سينمائية ومنها أفلام رعاة البقر، التي كانت تُصوِّر وتُروِّج أن الهنود الحمر متوحشون يقتلون وينهبون... على هذه الخلفية الملفقة، كنا نفرح حين يهاجم الجيش الأمريكي قبائل الهنود الحمر ويقتل ويغتصب، وكانت الأفلام كلها تحكي عن إفناء وقتل الهنود وسفك دمائهم وقتل أطفالهم وهلك نسلهم. وكانت هناك أفلام جريئة تفضح هذه العملية الإبادية، ومنها فيلم "الجندي الأزرق"، وكان به جنرال يقتل كل من بالقرى من بني آدم، وكذلك الكلاب والقطط...
 
وشاهدت أفلام الحرب العالمية الثانية، وكيف كانت النازية تحارب وتقتل كل من وقف في طريقها، وكيف كان الجنود الألمان ينظمون الغارات "Razzia" على الشوارع والأزقة لاعتقال الناس والأبرياء. وكان الجنود الألمان يظهرون متوحشين يقتلون كل من التقاهم في الطريق. وأذكر أن بهذه الأفلام تعلمت أول كلمة ألمانية "هالت Haalt" وتعني "قِفْ".
 
شاهدت كل هذا، ولم يكن يخطر ببالي أن أعيش مثل هذا الرعب والإرهاب ببلاد الجزائر. كان اليوم يوم عيد الأضحى، يوم 18 ديسمبر 1975، أي شهرا بعد الذكرى الأولى للمسيرة الخضراء.
 
الناس كلها في فرح بأيام عيد الأضحى، وإذا بجحافل من القوات الجزائرية من جيش وبوليس ودرك، تهجم على المنازل، التي يسكن بها "مغاربة"، يجمعون كل من وجدوا في الدار أو الدكان أو الشارع. يجمعون الكل في حافلات وينقلونهم إلى الحدود الجزائرية المغربية "جوز بغال".
 
كانت الأوامر العليا ومن رئيس الجمهورية بالذات بطرد كل من هو "مرّوكي".
 
كانت فاجعة كبرى، لأنه لا يُعقل أن يُطرد أناسٌ مواطنون من منازلهم وأماكن عملهم بدون سبب، إلا لأنهم مغاربة.
 
الأطفال يؤخذون من مدارسهم، النساء من المحلات التجارية والمتاجر ومن غرف النوم بلباس النوم، والكل يُرمى إلى الحدود المغربية الجزائرية "جوز بغال"... وكانت الغارات على المنازل وإخلاء كل من فيها تتم في الليل كما في النهار...
 
تقاسم الجيش والبوليس والدرك المنازل وما فيها من الأثاث... وما تسمع غير "هاذي دار مرّوكي... هاذ المخبزة وهاذ الحانوت لمرّوكي"... وبدأت تعلو أصوات البكاء والنحيب من المغاربة ومن الجزائريين...
 
عمَّ الخوف قلوبنا نحن اللّاجئين السياسيين، وخفنا أن يشملنا الطرد كذلك، فنحن كذلك "مرّوك". اتصلنا ببعضنا البعض، واتصلنا بقيادة التنظيم، الذي أصدر بيانا يستنكر فيه الطرد والتشريد. قررنا الالتزام بالبيوت والصمت.
 
وفي هذا الإطار، كنت في حديث مع زوجتي، وحكت لي ما أصابهم في هذه الفاجعة. قالت إن والدها السيد أحمد مالكي كان كل صباح بعد تناول الفطور يخرج للقاء أصدقائه الجزائريين، منهم السيد بن قلفاط والحاج قويدر... يشرب معهم القهوة ويتبادلون الحديث في ما بينهم. وهؤلاء الأصدقاء كانوا كلهم من المقاومين ومن أعضاء جيش التحرير "الجبهة الوطنية لتحرير الجزائر"، ولهم سابق معرفة بأحمد المالكي من أيام المقاومة التحررية، وكانوا بحق يقدرون أحمد المالكي.
 
وهم في جلستهم، قدم عندهم ضابط شرطة وطلب من أحمد مالكي، وكان اسمه الحركي الذي يستعمله والمعروف به هو "السي رابح"، طلب هذا الضابط من "السي رابح" مرافقته إلى الكوميسارية، فوقف أصدقاء "السي رابح" في وجه الضابط وسألوه لماذا مطلوب من "السي رابح" الالتحاق بالكوميسارية؟ فكان جواب الضابط أنه لا يعرف لماذا طلبه الكوميسير.
 
وكانت في تلك الأثناء تروج الأخبار بأن شيئا خطيرا سيلحق بالمغاربة. التحق أصدقاء "السي رابح" بالكوميسارية، ودخلوا على الكوميسير ودون إذن منه، فهؤلاء الرجال كانوا من الشخصيات المهمة بمدينة سيدي بلعباس ومحط عناية وتقدير من الجميع. وجّه هؤلاء للكوميسير كلاما حادا وقالوا له:
 
اسمعْ أيها الكوميسير، إن هذا الرجل منا ولا يمسه شر وهو بيننا. فهذا الرجل أجلْ إنه مغربي، ولكنه مقاوم في "جبهة التحرير الجزائرية"، وهو من المقاومين الأوائل بالجبهة. إن "السي رابح" هو من الرجال الذين أدخلوا السلاح إلى الجزائر وسلموه للمقاومة الجزائرية. إن "السي رابح" هو من بين المقاومين وقادة جيش التحرير المغربي من استقبل السفينة المصرية "دينا" المحملة بالسلاح القادم من طرف الرئيس المصري جمال عبد الناصر رحمه الله للثورة المغربية والجزائرية. ومن بين الرجال الأفذاذ آنذاك الذين استقبلوا السفينة وأفرغها القائدان عبد الله الصنهاجي وعبّاس لمسعدي، وجاء مع السفينة ضباط جزائريون منهم محمد بوخروبة "هواري بومدين"، الذي كان طالبا بمصر واستقطبه للثورة الجزائرية المرحوم "بن بلة"...
 
رست السفينة بشاطئ "قباوة" على بعد 50 مترا من الشاطئ، وأفرغ المقاومون المغاربة والمقاومون الجزائريون شحنة السلاح ووضعوها بدار المقاوم المغربي وعضو جيش التحرير المغربي "القايد حمدون".
 
ثم بعد ذلك، تم توزيع السلاح إلى ثلاثة أقسام، فسلم المقاومون المغاربة وأعضاء جيش التحرير المغربي للمقاومة الجزائرية ثلثي الأسلحة للثورة الجائرية، واحتفظوا لأنفسهم بالثلث الباقي، باعتبار أن الثورة الجزائرية كانت في بدايتها، وتحتاج إلى الدعم والسلاح أكثر مما يحتاجه جيش التحرير المغربي.
 
وبعدما أنزل السلاح عند دار "القايد حمدون"، قام المغاربة والجزائريون بنقل السلاح عبر الحدود إلى المقاومة الجزائرية بالأرض الجزائرية. وكان "السي رابح" الماثل أمامك واحد من الرجال الذين نقلوا السلاح إلى الجزائر ورئيس الدولة الجزائرية على علم بكل ما قلناه.
 
ومع ذكر المقاوم الكبير عبد الله الصنهاجي، أذكر هنا أن هذا المقاوم الكبير عين أول عامل اقليم لإقليم الناضور. وقد عيّنَ المناضل عبد الله الصنهاجي، المناضل أحمد مالكي كأحد أعوانه، وتم هذا في بداية استقلال المغرب.
 
ففي تلك الفترة كانت الجزائر مستمرة في حربها التحررية. وكان من بين مهام أحمد المالكي هو حراسة وأمن الإذاعة الجزائرية، التي كانت محطتها بإقليم الناضور.
 
وكانت جبهة التحرير الوطني الجزائرية لها إذاعات في كل من المغرب وتونس، تذيع يوميا الأخبار والأناشيد الثورية، على أساس أنها تذاع من الجبال الجزائرية.
 
وصل إشعار إلى المناضل أحمد مالكي بأن الإذاعة تعرف مشادات وخصومات قوية مما يهدد أمنها وفضح موقعها السري. ذهب أحمد مالكي إلى الإذاعة واستفسر حول الموضوع. فكان الخبر أن المذيعين الذين يشتغلون في الإذاعة يختلفون مع بعضهم في فهم حمولة دعم الثورة. فكان المذيع الأول يضخّم الأخبار ويكثر في عدد قتلى الجيش الفرنسي ويضخم أعداد ضحايا قمع القوات الفرنسية. فمن قتل جنديا فرنسيا يصبح فيلقا من الجيش دحر، ومن شهيد سقط في الميدان يصرح بمئات الشهداء. وكان المذيع الثاني يستنكر هذا التصرف ويعتبره غير مبرر صحفيا. ولكن مع استمرار الشجار بينهما، أصبح المذيع الأول يتهم المذيع الثاني بالخيانة والتحيز للمستعمر الفرنسي، وأصبح يرفض العمل معه في نفس الإذاعة.
 
ومع استقلال الجزائر سنة 1962 دخل "السي رابح" إلى الجزائر سنة واحدة بعد استقلال الجزائر لاجئا وهاربا من القمع الذي سلطه النظام المغربي على المعارضة المغربية.
 
ذهل الكوميسير مما سمع عن الرجل الذي استدعاه للمثول أمامه، وكان ذلك بأوامر عليا. طلب الكوميسير المسامحة من "السي رابح" وطلب من أصدقاء "السي رابح" العذر، لأنه لا ينفذ إلا الأوامر.
 
ذهب "السي رابح" إلى داره ووجد أسرته في هلع كبير مما سمعوا وما رأوا بأم أعينهم. فقد كانت فاجعة طرد المغاربة قد بدأت وبدأ النحيب والعويل.
في الغد، حضر نفس ضابط البوليس إلى دار "السي رابح" وطلب منه مرافقته إلى الكوميسارية. دخل "السي رابح" إلى الكوميسارية وقد لاحظ أن جنباتها وأروقتها مملوءة بالمغاربة، الذين سيُرحّلون إلى الحدود المغربية "زوج بغال".
 
دخل "السي رابح" على الكوميسير وسأله لماذا هو مستدعى إليه. قال الكوميسير عندنا أوامر عليا تأمرنا بإحضارك إلينا كل صباح وتشرب عندنا القهوة معززا مكرما ثم ترجع إلى دارك في أمن وأمان.
 
استمر هذا الوضع كل أيام طرد المغاربة من الأراضي الجزائرية. وكان "السي رابح" يأتي كل صباح إلى الكوميسارية والمغاربة مكدسون في أروقة الكوميسارية ينتظرون ترحيلهم إلى الحدود.
 
مرض "السي رابح" مرضا خطيرا ولزم الفراش في داره ولم يعد يقوى على الوقوف ولا الكلام لأكثر من أسبوعين. زاره أصدقاؤه عدة مرات، وفي الأخير فقدوا كل أمل في شفائه ووقوفه على رجليه، فهو أصبح طريح الفراش لا يأكل ولا يتكلم. وأسرته محاطة بسريره يبكون وضعه الصحي وهم في الغربة ليس لهم أهل ولا أحباب ويتوقعون الأسوأ إن هو مات.
 
كانت هذه حكاية من مئات الحكايات الدامية والمؤلمة لما تعرض له المغاربة من الحكام الجزائريين، حيث جردوهم من ديارهم وممتلكاتهم وخيراتهم التي اكتسبوها بعرق جبينهم.
 
كانت هذه الفاجعة الكبرى بالنسبة إلينا، نحن المناضلين وفي التنظيم، إشارة قوية لمراجعة تفكيرنا في التواجد بالجزائر وانتظار الأسوأ. لحسن الحظ آنذاك كان بالجزائر بعض مناضلي جبهة التحرير الوطني الجزائرية، الذين لم ينسوا نضال المغاربة ومساندتهم من أجل تحرر واستقلال الجزائر. لقد كان لحزبنا علاقات قوية مع بعض أقطاب السلطة الجزائرية الوطنيين "من الذين لم ينسوا الخير ولم ينسوا النضال المشترك"...
 
وهؤلاء هم من ساعدونا على خروج البعض منا بجوازات جزائرية. وكان قرار التنظيم في حينه مغادرة الجزائر للأفراد الذين ليسوا مرتبطين بالعائلة وليس لهم أولاد.
 
كما كانت، في ذلك الوقت الجوازات كافية للخروج إلى أوروبا. ولم تكن الفيزا موجودة.
 
صورة لمنفيين سابقين بالجزائر من اليمين: شيخ العرب وأحمد المالكي (صهر بنموسى) وسعيد بونعيلات