الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

مساهمة في النقاش العمومي.. هذه رؤية اتحاد العمل النسائي للتغيير الجذري لمدونة الأسرة

 
أحمد نشاطي
 
في سياق "الأمر"، الذي وجّهه الجالس على العرش، عبر "بلاغ للديوان الملكي"، إلى الحكومة بفتح ورش تعديل مدونة الأسرة، تفعيلا للقرار، الذي أعلن عنه الملك محمد السادس، في خطاب العرش لسنة 2022، بالدعوة إلى إعادة النظر في مدونة الأسرة، من خلال تقييمها وتقويمها لمواجهة اختلالاتها ومعالجة النقائص التي أبانت عنها التجربة، ومراجعة بعض البنود، التي قال الملك إنه تم الانحراف بها عن أهدافها، سعيا إلى اعتماد مدونة متقدمة للأسرة، لكل الأسرة، إذ "على الجميع أن يفهم أن تمكين المرأة من حقوقها لا يعني أنه سيكون على حساب الرجل، ولا يعني كذلك أنه سيكون على حساب المرأة"، مشدددًا على أن "تقدم المغرب يبقى رهينا بمكانة المرأة، وبمشاركتها الفاعلة، في مختلف مجالات التنمية"...
 
في هذا السياق العام، وللمساهمة في إغناء نقاش عمومي حول هذا الموضوع، ذي الطابع المصيري، ننشر هنا وثيقة في الموضوع، أنجزتها منظمة نسائية بارزة، هي اتحاد العمل النسائي، من خلال ورقتها التقديمية لحملتها الوطنية الثانية من أجل تغيير جذري لمدونة الأسرة...
 
قد يسأل سائل: لماذا اتحاد العمل النسائي؟
 
بكل بساطة، وبنظرة موضوعية ومنفتحة ومنصفة: لأن نضال اتحاد العمل النسائي هو الذي يعود له الفضل الأكبر في وصول المغرب إلى التحرّر من "قداسة مدونة الأحوال الشخصية"، التي كانت تحكم بنيان الأسرة المغربية، بقوانين مغرقة في التخلّف والرجعية، وفي طغيان مهول للعقلية الذكورية، التي تقف على النقيض الجذري من القيم الكونية والحضارية للحقوق المواطنية والإنسانية...
 
كانت هناك ناشطات في الحركة السياسية والحقوقية والنسائية، أغلبيتهن يساريات منتميات سابقات إلى "منظمة 23 مارس" الماركسية اللينينية، إضافة إلى ناشطات يساريات أو متعاطفات ينتمين إلى شتى مجالات الحياة، من نقابيات وسياسيات إلى مختلف حقول الكتابة والأدب والإبداع والفكر والفلسفة وعلم الاجتماع، الْتأمْنَ لدعم مبادرة الرفيقات المتحدّرات من "منظمة باء"، الخارجات من العمل السري إلى حزب سياسي علني حصل على الصفة القانونية سنة 1983، وحمل اسم "منظمة العمل الديمقراطي الشعبي"، وفي السنة ذاتها، أطلقت القيادات النسائية في هذه المنظمة (م.ع.د.ش) تجربة إعلامية متميزة دون نظير في المسار العام لتطور الحركة النسائية المغربية، تحمل اسم "8 مارس"، صدر أول عدد منها في شهر نوفمبر 1983، بإدارة عائشة لخماس ورئاسة تحرير لطيفة اجبابدي، والتأمت حول هذه الجريدة الشهرية، التي طرحت قضايا النساء والحقوق السياسية والمواطنية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية بكثير من التميّز والوضوح في الرؤية والجرأة في المقاربة، كوكبة من النساء، منهن الديمقراطيات (منظمة العمل) ومنهن أخريات بعدة حساسيات، بتكسير "تاريخي" لممارسة وعقلية "الحلقيات"، والتأسيس لصيغة متقدّمة من الممارسة الديمقراطية، وفي صدارتها التعايش واعتبار الرأي المخالف دون إقصاء.. وفي ذلك، جسّدت نساء منظمة العمل، بأسلوب ناجع وفعّال ومبدع، شعار "دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع"... لقد أصبحت "8 مارس" عنوانا عريضا لأبرز الفاعلات النسائيات المغربيات، كانت هناك، إضافة إلى اجبابدي ولخماس، ودون ترتيب: نزهة العلوي ورحمة نضيف وفاطمة المرنيسي وفاطمة الزهراء أزريول وفاطمة الزهراء طموح وزهور العلوي وحكيمة ناجي وسعاد مخلص ومليكة الطيب وعائشة الكرح وحكيمة التدلاوي وحكيمة فنيدي (التي فُجعنا فيها في حادثة سير راحت ضحيتها هي وزوجها رفيقنا الحسين لشكر الذي كان عُضوا معنا في المكتب الوطني لحركة الشبيبة الديمقراطية) وثورية التناني (قبل وبعد اعتقالها التعسفي في أحداث 1984) والسعدية وضاح وزهور كرام وعائشة التاج ولطيفة باقا وخديجة شاكر وفاطمة مخداش وخديجة أميتي ونادية القباج وفاطمة المغناوي ومينة حوجيب وخديجة أبناو وفوزية رفيق وفاطمة الزهراء خلوفي ومليكة الصراري وخديجة لمنبهي وفوزية حجي وحكيمة الشاوي والسعدية السعدي وسامية عباد الأندلسي وعائشة الحجامي والباتول النجاجي وحورية شريف الحوات ودامية بنخويا وفاطمة الزهراء صلاح وزهرة وردي وعائشة خمليش وفوزية بنيوب ونورا لمحضر وزهرة الخُضري وعفاف الجزولي ونعيمة الأطلسي وأمينة لشكر ونزهة أمزيان والسعدية الباهي، ومعذرة إن وقع إغفال غير مقصود لبعض الأسماء... وتعزّزت هذه الحركة بناشطات سياسيات شابات من الجيل الثاني في اتحاد العمل النسائي، ساهمن بفعالية في حملة تغيير مدونة الأحوال الشخصية، كما سيرد أدناه، ومن أبرز هذه الوجوه هناك الرفيقة عائشة ألحيان، التي تقود اليوم اتحاد العمل النسائي، في تلاقح جميل ومتقدّم وديمقراطي بين جيلين.. تلاقح لا تسطيعه ولا يستطيعه إلا الكبار.. وضمن هذه النخبة من النساء المناضلات، هناك، أيضا، جميلة السيوري ورشيدة حتا وأمينة بيان وأمينة الشان ونعيمة أقداد...
 
لقد شكّلت جريدة 8 مارس مرحلة نوعية في مسيرة حركية النضال النسائي في المغرب، وحتى في الفضاء الإقليمي، إذ استلهمت النساء الاشتراكيات التقدميات في تونس دروس هذه التجربة المغربية، وأسّسن مجلة نسائية "شقيقة" للجريدة المغربية تحمل اسم "نساء"...
 
عادة، وفي التجارب القائمة، غالبا ما تتأسس هيئات سياسية أو مدنية ثم تخلق، بعدها وفي حالة الحاجة، منابرها الإعلامية.. لكن تجربة جريدة "8 مارس"، التي رفعت، منذ البداية، شعار "من أجل حركة نسائية ديمقراطية ومستقلة وجماهيرية"، شكّلت منعطفا مجتمعيا وراء تأسيس "اتحاد العمل النسائي"، في نوفمبر 1987، وهو الذي سيحمل المشعل، معزّزا بأداته الإعلامية الرائدة، في قيادة وخوض معركة إحقاق حقوق النساء في الإنصاف والعدالة والكرامة والمساواة الكاملة...
 
وأبدعت ناشطات اتحاد العمل النسائي شكلا نضاليا متميّزا في مسيرة تغيير مدونة الأحوال الشخصية، إذ عوض طرح القضايا النسائية بلغة مطلبية وشعاراتية، ركّزن على قضية جوهرية في الأسرة، تتعلّق بانفراط لُحمة طرفي علاقة الزواج، أي قضية الطلاق، التي أضحت تسجّل تفاقما لممارسات غارقة في الظلم الفاحش، الذي يمارسه الرجل ضد المرأة، في ما كان يُعرف بـ"البْرَا"، إذ يكفي أن يقرر مزاج الرجل التخلص من زوجته، حتى يذهب إلى "العدول"، ويسجّل معه "ورقة الطلاق"، ويذهب الزوج إلى البيت، فيرمي "البْرا" في وجه الزوجة، ويركلها، ويطردها من بيتها، ويفصلها عن أبنائها وبناتها، ويجرّدها من كل "حقوقها"، إذْ لم تكن هناك حقوق أصلا، وقد يقول له مزاجه ألا يُظهر ورقة الطلاق، فيتركها في جيب سترته أو سرواله، ويترك طليقته في "دار غفلون"، قد يعيش معها الشهور والسنون، إلى حين "ترشقْ ليه شي نهار" ويرميها في وجهها... وكانت هناك مآسي اجتماعية بلا عد ولا حصر... وكانت فكرة الرفيقات الديمقراطيات أن يركّزن على هذه النقطة، ولا يكتفين بالبيانات والشعارات، إذ بلورن صيغة نضالية تجعلهن، ومعهن باقي المغاربة، نساء ورجالا، يتحرّكن وسط المجتمع، في الدروب والمدارس والجامعات والمعامل والإدارات، من خلال "حملة وطنية من أجل مليون توقيع لتغيير مدونة الأحوال الشخصية"، أطلقنها نهاية دسمبر 1991 وخلال سنة 1992، وخلالها تعرّضن لهجومات وتهجّمات منكرة، وصلت إلى حد تكفيرهن في العديد من المساجد...
 
لقد وضعت هذه الحملة المسألة النسائية في قلب أجندات الدولة والمجتمع، وبفضلها، سيقرّر الملك الراحل الحسن الثاني، في 24 أكتوبر 1992، تشكيل لجنة تعديل مدونة الأحوال الشخصية، أفضت إلى إصدار مدونة الأحوال الشخصية في 10 سبتمبر 1993، وبذلك، رُفعت القداسة عن هذه المدوّنة، رغم جزئية التعديلات، التي مسّت أساسا قضية الطلاق، لكن باقي المطالب النسائية ظلت مركونة في الرفوف...
 
ومرة أخرى، وبفضل نضال اتحاد العمل النسائي، الذي تعزّز بالانخراط النضالي للهيئات النسائية الديمقراطية، التي نجحت في تشكيل تحالف واعد وفاعل ومتقدّم، وبفضل نضال عموم القوى الوطنية الديمقراطية، وبفضل تفاعل ومواقف ومبادرات رئيس الدولة الجديد، الذي أظهر، منذ بداية حكمه في يوليوز 1999، توجّها واضحا في دعم حقوق النساء المواطنية والإنسانية، سيستقبل الملك العديد من وجوه الحركة النسائية المغربية، في مارس 2001، ويشكل لجنة ملكية استشارية، وصولا إلى إعلان الجالس على العرش عن المدونة الجديدة، حيث ستتغيّر في 10 أكتوبر 2003... لقد جرى، أخيرا، رفع القداسة نهائيا عن مدونة الأحوال الشخصية، وتغييرها بمدونة الأسرة، متضمّنة الكثير من مطالب الحركة النسائية، والكثير من العوائق والإعاقات الذكورية...، إذ إن مدونة الأسرة، التي شكّلت "قفزةً نوعيةً في مجال الأحوال الشخصية"، بقيت مُخترَقةً بخلفية ذكورية في مقاربة العلاقات الأسرية وقضايا حقوق المرأة، من خلال المحافظ على نصوص تمييزية تكرّس الحيف والظلم والعنف ضد النساء، كما ظهر ذلك جليا خلال تجربة 18 سنة من التطبيق...
 
وهنا، ومرّة أخرى، كان اتحاد العمل النسائي في الموعد، إذ كان من الأصوات الديمقراطية، التي تصدّت لفضح مختلف مظاهر الاختلالات، التي فرّختها المدونة، وعمّقت تداعياتها ومآسيها، إذ أدّت إلى انتهاك الحقوق الأساسية للنساء، في الزواج والطلاق، وفي الحضانة والولاية الشرعية على الأبناء والنسب وثبوت الزوجية والنفقة والإرث، وفي تزويج القاصرات وتعدد الزوجات...
 
وفي هذا الصدد، ووفاء لتاريخه النضالي النسائي المشرق والشامخ، سيرفع اتحاد العمل النسائي، مبكّرا، مطلب مراجعة مدوّنة الأسرة، وصولا إلى إطلاق حملة وطنية جديدة من أجل تغيير جذري للمدونة، وكان يوم الخميس 10 فبراير 2022، موعدا في الرباط لإطلاق الحملة الوطنية الثانية، رافعةً شعار "من أجل تغيير جذري وشامل لمدونة الأسرة"، التي يرى الاتحاد أن المدونة الحالية لم تقطع، كليةً، في فلسفتها ومضامينها ولغتها، مع المنظور الذكوري المحافظ بشأن العلاقات الأسرية ومكانة حقوق النساء ضمنها...
 
الإعلان عن هذه الحملة جاء في ندوة بمناسبة الذكرى 18 لصدور مدوّنة الأسرة، أطّرتها قياديات في اتحاد العمل النسائي (الرئيسة عائشة ألحيان، ونزهة العلوي، وعائشة لخماس، ونهلة عراش)، تحدثن وأقنعن في كشف مكامن القصور في مدونة الأسرة، سواء على مستوى النصوص أو على مستوى التطبيق، انطلاقا من عمل ميداني يومي لاتحاد العمل النسائي مع النساء والفتيات الواردات على مراكز النجدة الاثني عشر على المستوى الوطني، التابعة للاتحاد، وكذا على مركز الإيواء، إضافة إلى تقارير الاتحاد السنوية حول أشكال العنف الممارس على النساء، ومن خلال جلسات الاستماع، التي ينظمها سنويا، في إطار محاكم النساء الرمزية...
 
قياديات اتحاد العمل النسائي قدّمن إضاءات شافية حول الحملة الوطنية الثانية، التي أطلقنها تحت شعار "من أجل قانون أسري يضمن الملاءمة والمساواة"، وشدّدن على أن تغيير مدونة الأسرة بشكل جذري كان ممكنا ومتاحا منذ إقرار التعديلات الدستورية في العام 2011، بحيث تتواءم القوانين الوطنية مع مواد الدستور، التي تؤكد على المساواة بين جميع المواطنين، بغضّ النظر عن الجنس والدين واللغة والعرق واللون...
 
ومن المطالب الأساسية، التي توقّفت عندها القيادات النسائية، هناك منع تعدّد الزوجات بصفة نهائية، مع منع تزويج الفتيات الصغيرات واعتماد السن القانونية للزواج المحددة في 18 سنة للذكر والأنثى دون أي استثناء، وترتيب عقوبات رادعة وزاجرة لكل الأطراف المتورطة في زواج القاصرة، واعتماد إلزامية عقد تدبير ممتلكات الأسرة واشتراطه ضمن الوثائق اللازمة لملف الزواج، والنص صراحة على اعتبار دور العمل المنزلي وتربية الأطفال في تقييم مساهمة النساء، فضلا عن مطالب أخرى لتغيير العديد من مقتضيات قانون الأسرة، سواء في ما يتعلّق بالسكن، أو أنواع الطلاق، أو الحضانة، حيث تقترح الناشطات المدنيات والحقوقيات إسناد الولاية على الأبناء إلى الأم والأب دون تمييز، سواء خلال قيام الحياة الزوجية أو بعد الانفصال، مع إلغاء التمييز الحاصل في مواد الحضانة، وعدم اعتبار زواج الأم المطلقة عاملا لتجريدها من الحضانة...
 
وبالنظر للأهمية البالغة للقضايا، التي طرحها اتحاد العمل النسائي في حملته الوطنية الثانية للتغيير الجذري والشامل لمدونة الأسرة، ندرج في ما يلي النص الكامل للورقة التأطيرية لهذه الحملة... مع شكر موصول للرفيقين يوسف غويركات وسعيد البعقلي على ملاحظاتهما التدقيقية لبعض معطيات الموضوع، فيما الصور المستعملة، هنا، وهي "ذخيرة ثمينة"، من أرشيف سعيد البعقلي، الذي، بالمناسبة، ظل لسنوات يبدع في الإخراج الفني لجريدة "8 مارس"، فيما كان الرفيق عدنان جازولي الرجل الوحيد في هيئة التحرير، الذي ظل يبدع في العمل الإعلامي النسائي الديمقراطي الشعبي...
 
 
 
الورقة التقديمية للحملة الثانية
للتغيير الجذري والشامل لمدونة الأسرة
 
شكلت مدونة الأسرة بحق أحد أبرز الإصلاحات التي شهدها المغرب منذ استقلاله وهو ما نوّهنا به حينها رغم كونها لم تستجب لكل مطالبنا. وبعد مضي 18 سنة على صدورها، لا جدال اليوم في كون التجربة العملية قد أبانت عما يتخللها من قصور وثغرات حالت دون تحقيق النهوض بالحقوق الإنسانية للنساء وحمايتها، والتصدي للمعضلات الأساسية التي تعاني منها الأسرة المغربية وللمآسي الاجتماعية المترتبة عنها، وهو ما أكدته العديد من التقارير والدراسات بما فيها تلك الصادرة عن المؤسسات الرسمية. وطيلة هذه المدة لم تفتأ تتعالى الأصوات المنادية بضرورة مراجعتها خاصة من طرف مكونات الحركة النسائية والحقوقية وضمنها اتحاد العمل النسائي الذي أطلق حملة جديدة للمطالبة بتغييرها جذريا في فبراير 2018 تحت شعار "من أجل قانون أسري يضمن الملاءمة والمساواة"، ليواصلها اليوم انطلاقا من الشهر الجاري.
 
ان إصرارنا على مواصلة النضال على هذه الواجهة يرتكز على قناعتنا بأن تغيير مدونة الأسرة لا يمكن اختزاله في مجرد تعديل قانوني وحسب، بل هو شرط أساس لدمقرطة المجتمع وإعادة بنائه على أسس من المساواة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، ومدخل رئيسي لتمكين النساء إنسانيا واجتماعيا واقتصاديا وتحريرهن من وضع الدونية المفروضة عليهن، والقضاء على التمييز على أساس الجنس، الذي يعد من مقومات التنمية الإنسانية والتقدم الحضاري، من ثم يعتبر هذا الورش من الإصلاحات الكبرى الحيوية المطروح على بلادنا استكمالها دون إبطاء.
 
إن اتحاد العمل النسائي، الذي لم يتوقف عن النضال من أجل قانون أسري مساواتي منذ الثمانينيات، يؤكد من جديد على الضرورة الملحة لتغيير شامل وعميق لمدونة الأسرة يرتكز على المبادئ والمرجعيات والمداخل التالية:
 
* المرجعية الحقوقية
 
بما أن المدونة تتعلق بمجال الحقوق المدنية في علاقتها بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ينبغي أن تنبني على المرجعية الكونية لحقوق الإنسان ومبادئها الأساسية المتمثلة في المساواة وعدم التمييز، بإعمال مقتضيات المواثيق الدولية ذات الصلة وعلى رأسها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "السيداو"، التي يعد المغرب دولة طرفا فيها بمصادقته عليها، وهو ملتزم بإعمال مضامينها. وهو ما يقتضي القطع مع المنظور الذكوري المحافظ، والتذبذب والتعارض في الأحكام التي فرضت أغلبها ضغوطات وإرضاءات وتوافقات سياسية على حساب حقوق النساء.
 
* الدستور
 
بالنظر لكونه القانون الأسمى للبلاد والإطار المعياري الوطني الأساس، يتعين ملاءمة كل المنظومة القانونية مع مبادئه ومقتضياته، وضمنها مدونة الأسرة التي أصبحت في تعارض مع مستجداته، مما يترتب عنه عدم دستوريتها منذ ما يزيد عن عشر سنوات. إذ آن الأوان لمراجعتها في ضوء ما ينص عليه الدستور من مساواة ومناصفة بين الجنسين وحظر للتمييز وما يؤكد عليه من التزام بما تنص عليه الاتفاقيات الدولية من حقوق في كونيتها، ومن سموها على القوانين الوطنية، وتعهده بملاءمة هذه الأخيرة معها.
 
* التحولات السوسيوثقافية
 
شهد المجتمع المغربي تحولات مست البنيات الاجتماعية والثقافية في عمقها وخاصة من خلال حلول الأسرة النووية محل العائلة الممتدة، وتطور أدوار النساء داخلها وفي مختلف مجالات الحياة. إذ أصبحن معيلات ومسؤولات عن تدبير كل شؤون الأبناء من تعليم وصحة وغيرها، وفاعلات أساسيات في المجتمع. وهو منحى تطوري في تصاعد، ويطرح وجوبا وضع مدونة ملائمة لأسرة مغرب القرن 21، تتناسب مع مقوماتها وتستجيب لمتطلباتها الجديدة، كما تتيح الحلول الناجعة والعادلة لمعضلاتها، وترقى الى مستوى تطلعات النساء المغربيات للمساواة والحماية والتمكين. وهو ما يقتضي القطع مع النموذج البطريركي المبني على التراتبية والتبعية والميز في الأدوار والمكانات والحقوق.
 
* الدروس المستفادة
 
أبرزت تجربة 18 سنة من تطبيق مدونة الأسرة محدودية وقعها على الحياة الفعلية للنساء لضمان حقوقهن الأساسية وحمايتهن من انتهاك كرامتهن ومن الحيف والتفقير والتشريد والعنف. كما أبانت عجزها عن الحد من تزويج الطفلات وتعدد الزوجات وعن ضمان حق النساء في ممتلكات الأسرة وفي الولاية على أبنائهن. ولم تُمكّن من حل الإشكالات المتعلقة بالنفقة وبسكن المحضون في غياب معايير موحدة عادلة ومساطر دقيقة تضمن للمحضونين الحفاظ على مستوى عيشهم السابق والمسكن اللائق. كما لم تستحضر المصلحة الفضلى للطفل في قضايا الأبوة والنسب وضمان حقوق الأطفال "بكيفية متساوية كيفما كانت وضعيتهم العائلية"، كما نص على ذلك الفصل 32 من الدستور. أما نظام المواريث فنتائجه بادية للعيان من خلال دوره الأساسي في تكريس الفقر وسط النساء وفي هزال نسبة ولوجهن إلى الملكية.
 
وبناء على مستخلصات التجربة، ندعو في اتحاد العمل النسائي إلى اعتماد المساواة بين الجنسين مبدأ ناظما ومؤطرا لفلسفتها ولكل مقتضياتها، والقطع مع التذبذب والازدواجية والتناقض في موادها، وإلغاء الاستثناءات وأنصاف الحلول والثغرات السانحة بالالتفاف على القانون، وتقليص اللجوء إلى السلطة التقديرية للقضاء باعتماد مواد دقيقة ومحكمة. وفوق كل ذلك استحضار ما سيترتب عنها من آثار في المعيش اليومي وفي صون كرامة وحقوق النساء وأطفالهن درءا للمآسي الإنسانية التي أفرزتها التجربة.
 
وهذا يقتضي ترجمة أحكام ومبادئ الدستور والاتفاقيات الدولية على مستوى كل مواد قانون الأسرة بما يضمن المساواة بين الرجل والمرأة عند الزواج وأثناء قيامه وبعد انحلاله مما يتطلب أساسا ما يلي:
 
- اعتماد لغة قانونية حديثة غير تمييزية ومصطلحات لا تشيّء المرأة أو تخلق ترابية في العلاقة بينها وبين زوجها أو تحصر دورها داخل الأسرة في البناء والاستمتاع... ضدا على أدوارها الأساسية في التربية والتنشئة والمساهمة في استقرار الأسرة المادي والمعنوي.
 
- تعريف الزواج كمؤسسة اجتماعية تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات بين طرفي العلاقة والشراكة الفعلية في تدبير كل شؤون الأسرة ومصالح الأطفال وحقوقهم بما فيها المالية، وذلك سواء أثناء الحياة الزوجية أو بعد انحلالها.
 
- اعتماد المساواة في أهلية الزواج بين الفتى والفتاة والمحدد في 18 سنة لهما معا كقاعدة عامة تماشيا مع المادة 19 من اتفاقية حقوق الطفل، وكذلك مع مقتضيات الفصل 32 من الدستور الذي يعتبر الدولة مسؤولة عن توفير الحماية القانونية والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال بكيفية متساوية... وإلغاء كل الاستثناءات التي تفرغ هذه القاعدة من جدواها وتسمح بزواج الطفلات والأطفال، مع تجريم تزويج الطفلات والأطفال وكل صور الالتفاف على القاعدة العامة المذكورة، نظرا لما يترتب عن تزويج الطفلات من حرمانهن من التمتع بحقوقهن كاملة، فضلا عن المخاطر المدمرة لصحتهن الجنسية والنفسية والجسدية، ناهيك عن مساهمته في استدامة الفقر والأمية في صفوف النساء وحرمانهن من المساهمة في التنمية والاستفادة من نتائجها.
 
وحيث إن سنة 2021 سجلت تصاعدا لعدد طلبات الإذن بزواج القاصر، حيث بلغت حوالي 28714 طلبا تمت الاستجابة لما مجموعه 18399 طلبا، كما أثبتت الدراسة التي أنجزتها رئاسة النيابة حول زواج القاصر ارتفاع الأحكام الصادرة بثبوت الزوجية خلال الفترة التي شملتها الدراسة، حيث سُجل ما مجموعه 13018 حكما بثبوت الزوجة أحد طرفيه أو كلاهما قاصر، كما أبانت هذه الدراسة عن نسب العنف بمختلف أشكاله الذي تتعرض له الطفلات المتزوجات سواء من طرف الزوج (46،69 في المائة) أو من طرف أهله (49،02 في المائة).
 
ونظرا لكل هذه الاعتبارات ولما يكملها ووفاء بأدوار الدولة في حماية الطفولة المنصوص عليها دستوريا، ووفاء بالتزاماتها الدولية بهذا الخصوص، فإنه أصبح من اللازم منع تزويج الطفلات والأطفال، مع اتخاذ كل التدابير اللازمة للتحسيس بخطورته والحد من الفوارق المجالية بتأهيل المناطق القروية وفك العزلة عنها...
 
- اعتماد سن الأهلية للزواج المحدد في 18 سنة للمخطوبين كذلك، درءا لكل تأويل لمقتضيات المادة 156.
 
- إلغاء تعدد الزوجات لكونه يتعارض مع مبدأي المساواة وعدم التمييز، اللذين يكفلهما الدستور والاتفاقيات الدولية، ولما يشكله من مس بكرامة النساء وتقويض لاستقرار وتماسك الأسرة، ولما ينتج عنه من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية على النساء وأطفالهن.
 
- توحيد مسطرة انحلال الزوجية بالنسبة للطرفين معا والاقتصار على مسطرة الطلاق الاتفاقي ومسطرة التطليق (وتكون أسباب اللجوء الى هذه المسطرة إما استحكام النزاع بين الزوجين أو الضرر أو الغيبة)، خاصة أن الأزواج نساء ورجالا يفضلون اللجوء لهاتين المسطرتين على حساب باقي المساطر لسهولة إجراءاتها وحق الزوجين معا في اللجوء إليها"، كما جاء في الدراسة التي أنجزتها وزارة العدل حول "القضاء الأسري الواقع والآفاق عشر سنوات من تطبيق مدونة الأسرة". كما أن إحصائيات سنة 2020 أثبتت استحواذ هاتين المسطرتين على باقي أنواع الطلاق والتطليق، حيث يتصدرها التطليق للشقاق، متبوعا بالطلاق الاتفاقي، وقد بلغت قضايا التطليق للشقاق مثلا على مستوى المحكمة الاجتماعية بالبيضاء نسبة 97 في المائة ضمن قضايا انحلال الزوجية برسم سنة 2020.
 
وتبعا لذلك أصبح من الضروري إعادة النظر في مساطر انحلال الزوجية والاستغناء عن المساطر الغير مفعلة، مع تعزيز حق النساء في اللجوء إلى إنهاء العلاقة الزوجية حماية للحقوق المكتسبة في هذا المجال، وتجنبا لأي تضييق من شأنه أن يقيّد حقهن في ذلك كما كان عليه الأمر قبل المدونة، مع الإبقاء طبعا على جعل الطلاق تحت مراقبة القضاء، لما يشكله من حماية لطرفي العلاقة ولمصالح وحقوق الأبناء.
 
- ضرورة تعزيز مؤسسة الصلح والوساطة لفض النزاعات الأسرية وتقوية أدوارهما مع ضمان التكوين والتكوين المستمر لتملك التقنيات اللازمة لذلك والاستعانة بالمتخصصين النفسانين والاجتماعيين لإعداد تقارير حول أسباب النزاع ووضعية الأطفال للاستعانة بها قضائيا.
 
- نظرا للإشكالات، التي أثارها اقتسام الأموال المحصلة خلال فترة الزواج، وخاصة عند الطلاق أو التطليق، وتأثير ذلك على الحقوق الاقتصادية للنساء واستقرار الأبناء، فإنه بات من الضروري تدخل المشرع بتنظيم تدبير الأموال المكتسبة بين الزوجين، بدءا من المراحل الأولى للزواج، وذلك باشتراط إبرام عقد لتحديد طريقة تدبير هذه الأموال، بالموازاة مع عقد الزواج، وجعله من ضمن الوثائق التي يجب أن يتضمنها ملف الزواج، والتنصيص صراحة على اعتبار العمل المنزلي وتربية الأطفال كمساهمة مادية للنساء في تنمية الأموال المنشأة خلال الزواج.
 
- اعتبارا لأدوار النساء داخل الأسرة التي تتجاوز الرعاية إلى تحمل الأعباء المالية أو المساهمة فيها، فإنه أصبح من الضروري إعادة النظر في أسس فرض النفقة ومشتملاتها وكذا في ضمانات الوفاء بها، نظرا لما يثيره موضوع النفقة من إشكالات حقيقية، سواء أثناء قيام الزوجية، وخاصة عند النزاع أو بعد الطلاق أو التطليق، وآثار ذلك على مصلحة الأطفال.
 
فبالرغم من أن مدونة الأسرة ألغت مبدأ الطاعة مقابل الإنفاق، فإن تجلياته مازالت حاضرة في بعض المواد، وخاصة عندما يتم ربط نفقة الزوجة (بالبناء أو الدعوة للبناء) المادة 194، مما يعطي الانطباع أنها -أي النفقة- كمقابل للاستمتاع، وليست شرطا لضمان العيش الكريم ورفاهية الأسرة، ونصادف في بعض الأحكام القضائية استمرارها في استعمال بعض المصطلحات، التي تحيل على مفهوم الاحتباس كسبب لوجوب النفقة على الزوج، ومن ذلك مثلا: "مادامت الزوجة بحوزة زوجها، فإنها لا تستحق النفقة"، وفي قرار آخر لمحكمة النقض جاء فيه "ولما كان الطاعن لا ينكر أن المطلوبة مكثت ببيته مدة شهور وهو يعتبر مظنة للتمتع والبناء..."، وهي كلها مصطلحات تكرس دونية المرأة، تماما كما هو مصطلح النشوز المادة 195 الذي أصبح الوسيلة الأسهل للتملص من كل الالتزامات المادية تجاه الزوجة عند رفضها الرجوع لبيت الزوجية، وكذلك طريقة لدفعها لطلب التطليق للتهرب من مستحقات الزوجة في حالة لجوء الزوج للطلاق.
 
وحيث إن كل هذه المصطلحات وغيرها التي تمتحي من الموروث الثقافي المكرس للتمييز والدونية أصبحت لا تتلاءم مع مركز المرأة داخل الأسرة ولا مع أدوارها داخل المجتمع.
 
- كذلك أصبح من الضروري إعادة النظر في مشتملات النفقة لتتوافق مع تطور احتياجات الأسرة التي تتجاوز الغداء والكسوة والعلاج، حيث ظهرت متطلبات أخرى أصبحت من أساسيات الحياة، فضلا على ضرورة واستعجالية وضع معايير دقيقة لاحتساب النفقة لضمان المساواة أمام القانون، خاصة وأننا كثيرا ما وقفنا على تضارب الأحكام في تحديد النفقة لأطراف في نفس الوضعية وداخل نفس المحكمة، فوضع معايير لاحتساب النفقة يحقق المساواة وعدم التمييز بين المتقاضين، فضلا على أنه يعزز ثقة المواطنات والمواطنين في القضاء، ويساهم في التقليص من السلطة التقديرية للقضاء في مجال تحديد النفقة وتوابعها.
 
- ولتجاوز إحدى أهم المعضلات التي تساهم في تهرب الملزمين بالنفقة ألا وهي إثبات الدخل، فإنه أصبح لزاما إدلاء الزوجين بما يفيد دخلهما أو عملهما عند الزواج، وتكون هذه الوثائق من ضمن وثائق ملف الزواج تحقيقا للشفافية والوضوح بين الزوجين منذ بداية علاقتهما.
 
- أما على مستوى وسائل وضمانات تنفيذ النفقة وأمام تزايد الإشكالات المرتبطة بالامتناع عن أدائها وتزايد أعداد الملفات غير المنفذة، وتعذر العثور على المنفذ عليه أحيانا أخرى، وما يتسبب فيه ذلك من مس بحقوق الأطفال، الشيء الذي لم تحد منه مسطرة الاقتطاع من المنبع المنصوص عليها في المادة 191 من المدونة خاصة عندما يحال الزوج على التقاعد وتكون الأم المطلقة ملزمة من جديد باللجوء للقضاء لاستصدار حكم في مواجهة صندوق التقاعد وما يستتبعه ذلك من إجراءات وطول المسطرة وضياع حقوق الأطفال، لذلك أصبح من الضروري وضع آليات لتسهيل تنفيذ أحكام النفقة وضمان استمراريتها، وتعزيز دور النيابة العامة في هذا الإطار، مع تسهيل وتبسيط مسطرة الاستفادة من صندوق التكافل العائلي ورفع مبلغ التسبيقات المالية المخصصة للمستفيدات وللمستفيدين منه، مع تنظيم حملات تحسيسية للتعريف بهذه الآلية...
 
- مظاهر التمييز بين النساء والرجال تظهر جليا كذلك على مستوى حضانة الأطفال، خاصة في المادة 175 من مدونة الاسرة التي تنص على سقوط حضانة الأم في حالة زواجها اذا كان المحضون يتجاوز السبع سنوات، حيث تنتقل الحضانة الى الأب الدي يليها في ترتيب مستحقي الحضانة طبقا للمادة 171، في حين أن زواج الأب المطلق لا يؤثر على حقه في الحضانة، مما يشكل اجحافا بالغا في حق الأم التي يفرض عليها الحرمان من حقها في الزواج مرة أخرى مقابل استمرار حضانتها، إضافة الى ما تتضمنه المادة 175 من تمييز واضح في حق المحضون، الذي يعاني من إعاقة، لأن المنطق الذكوري الذي يتحكم في مثل هذه النصوص لا يَرضى للرجل تحمّل مشاق الاعتناء بطفل يعاني من إعاقة ويعتبره حمْلًا لا يليق إلا بالنساء.
 
وحيث إن إعمال مبدأ المساواة وعدم التمييز يقتضي إحاطة موضوع الحضانة وسكن المحضون بالعناية والحماية اللازمتين ومراعاة المصلحة الفضلى للمحضونين، وضمان استقرارهم النفسي ونموهم الطبيعي وحقهم في السكن اللائق والحفاظ على نفس شروط العيش والدراسة التي كانوا عليها قبل انحلال الزوجية، مع تنظيم محكم للزيارة، والنأي بهم عن الخصومات بين أبائهم وتبعاتها.
 
- تمثل أحكام الولاية على الأبناء كذلك أحد أبرز أوجه التمييز في مدونة الأسرة، حيث يتم حصرها في الأب سواء أثناء قيام الزوجية أو بعد الطلاق. ولا تسقط عنه إلا في حالة وفاته أو بتجريده منها بحكم قضائي. أما الأم فتحرم من الولاية على أبنائها إلا في حالة عدم وجود الأب بسبب وفاة أو غياب أو فقدان للأهلية أو بغير ذلك. وبذلك فإن المدونة تعتبر مسؤولية تربية الأبناء وتوجيههم وتدبير مصالحهم المالية والإدارية حكرا على الأب ولا تعترف للأم إلا بمهام الأكل والملبس والنظافة وما إليها، وهو تمييز صارخ يتعارض مع مبدأي المساواة وعدم التمييز اللذين نص عليهما الدستور والمواثيق الدولية التي التزم المغرب بإعمالها، بل يتناقض مع ما تنص عليه مواد أخرى في المدونة ذاتها، من تحمّل مشترك لمسؤولية تسيير ورعاية شؤون الأطفال والتشاور في اتخاذ القرارات المتعلقة بها (المادة 51)، ومن تأكيد لمسؤولية الأبوين معا في ضمان حقوق الطفل الأساسية (المادة 54).
 
علاوة على ذلك، فإن المدونة تضع نفسها خارج سياق الواقع الاجتماعي وتحولاته الجوهرية حيث تلعب النساء أدوارا رئيسية في تربية الاطفال وتوجيههم وتدبير مصالحهم الدراسية والصحية والإدارية وغيرها، وذلك بمفردها في الكثير من الأحيان، بل إن هذه المقتضيات تتعدى في حالات النزاع أو الطلاق حدود الإجحاف في حق الأم، لتتحول الى وسيلة للابتزاز والانتقام من الأطفال أنفسهم وإلى المس الخطير بحقوقهم الأساسية، كحرمانهم من شهادة المغادرة لمواصلة تعليمهم في حالة الطرد من بيت الزوجية أو مغادرته على سبيل المثال. بل إن الأم لا يمكنها السحب من حساب مالي فتحته بنفسها لابنها وزودته من مالها الخاص، فالأب هو الذي يحق له حصريا القيام بذلك وإن كان قد قطع كل علاقاته بأبنائه.
 
- كما أن حق النسب كحق من الحقوق الأساسية للطفل مازال محكوما بنصوص تحصر أسباب النسب في الزوجية والإقرار والشبهة، ضدا على ما عرفه التطور العلمي في مجال البصمة الوراثية التي تعتبر نتائجها قطعية، مما يؤدي إلى حرمان العديد من الأطفال المزدادين خارج إطار الزواج من حقهم في الانتساب إلى آبائهم، مما يفرض إعادة النظر في النصوص المتعلقة بالبنوة والنسب والنص صراحة على اعتماد الخبرة الجينية كوسيلة لإثبات نسب الأبناء لآبائهم.
 
- يشكل عدم الحصول على الحق المتساوي في الإرث بين النساء والرجال أحد الأسباب الرئيسية لحرمان النساء من الوصول للثروة وخاصة الثروة العقارية، فحسب التقارير الرسمية فالنساء المالكات للعقار لا تتعدى نسبتهن 7 في المائة بالمدينة و1 في المائة بالقرية، وهو ما يبين أن النساء لا يحصلن لا على النصف ولا الثلث ولا الربع، الأمر الذي يتطلب مراجعة شاملة لمنظومة المواريث، ليس فقط الكتاب السادس من مدونة الأسرة، بل أيضا الجزء الخاص بتصفية التركة في المسطرة المدنية.
 
رغم ما يواجه به هذا الإصلاح دائما من معارضة وعنف من طرف القوى التقليدية بدعوى أن أحكام المواريث منصوص عليها في القرآن الكريم بآيات قطعية الثبوت والدلالة، علما أن هناك أحاديثَ رغم الاختلاف في مدى صحتها جاءت بما يتناقض مع الآيات القرآنية، مثل حديث الآحاد القائل "لا وصية لوارث"، في حين تقول الآية "عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ..." سورة البقرة 180- 181.
 
إضافة إلى ما سمي بالعول الذي استعمله الخليفة عمر بن الخطاب لحساب الفرائض عند تزاحم الورثة أصحاب الفروض بالإنقاص من نصيبهم ليشملهم جميعا، وهناك أيضا مسألة "العمريين" المشهورة لدى الفقهاء، ذلك أنه إذا ماتت امرأة وتركت زوجا وأبا وأما، فالزوج يأخذ النصف والأم الثلث والأب يأخذ أقل من الثلث، لكن الخليفة عمر ابن الخطاب لم يمنح الأم الثلث من التركة كلها حسب ظاهر الآية القرآنية، بل الثلث مما تبقى بعد أخذ الزوج النصف أي تلث النصف ويبقى للأب تلثي النصف ولا أحد احتج أو اعتبره خروجا عمّا ورد في الآية الكريمة، عكس ما يقع عندما يتعلق الأمر بتمكين المرأة من الحق المتساوي في الإرث حيث يواجه بالرفض المطلق علما أن أكثر من 70 في المائة من أحكام الإرث هي من صنع الفقه، تم إضفاء القدسية عليها.
 
وتجدر الإشارة الى أن النساء كن مقصيات من أن يرثن في حق استغلال أراضي الجماعات السلالية، كما كن لا يستفدن عند التعويض عنها في حالة تفويتها، ومع ذلك لم تتحرك أية جهة للمطالبة بتطبيق الشريعة وتمكينهن من حقوقهن، و نفس الشيء بالنسبة لأراضي الكيش والأراضي المسترجعة بعد المغربة، بحيث لم تستفد منها إلا 2 في المائة من النساء، وفوّتت أغلبها تقريبا للرجال.
 
اتحاد العمل النسائي
المكتب التنفيذي
10 فبراير 2022