الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

عز الدين بونيت: في الإشارات وذاك الشي.. هذا ما أشارت به قعدة وهبي والمنصوري مع أخنوش

 
عز الدين بونيت
 
 
يكون الأستاذ عبد اللطيف وهبي قد تلقى، صباح الاثنين (13 سبتمبر 2021)، إشارات وصفها بالإيجابية، وهو يتشاور مع رئيس الحكومة المكلف. وقد دعاني حديثه عن الإشارات إلى الوقوف هنيهة كي أحاول تخيل الكيفية والهيئة التي تتم بها المشاورات الإشارية، بين من يتقنون هذا الفن من فنون التشاور، ثم أحاول أن أتبين ما هو مضمون هذه الإشارات بالضبط. وبعد ذلك أقوم بالتعازيم وأردد التعاويذ الضرورية كي أتمكن من التكهن على وجه التقريب بما ستكون عليه أحوال البلاد والعباد في ضوء نهج السياسة الإشارية الذي افتتحت بها المشاورات.
 
وحتى أتحكم في الأثر المنشود لتعازيمي وتعاويذي وأبلغ بها مبلغها، فقد عمدت إلى صورة يظهر فيها المعني بالأمر (وهذا أسلوب معروف لدى عتاة السحرة وأعلامهم) كي أصب عليها جام تعاويذي وأخزها وخزا شديدا كما توخز أيقونات المسحورين على أيدي كهنة الفودو.. حتى أستنطق صاحبها بلا هواه بما يكتمه.
 
دعونا نقوم بهذا التمرين الصغير في علم الإشارات: الإشارات في هذه الصورة المأخوذة أثناء المشاورات، غنية بالدلالات التي تتسرب منها دون قصد، لا ممن التقطها ولا ممن التقطت له. وحتى نتمكن من تقطير هذه الإشارات نقوم أولا بتجريد الصورة تجريدا ذهنيا مقصودا.
 
فلو وضعنا الصورة أمام عيني مشاهد محايد لا يعرف من هو عبد اللطيف وهبي، ويجهل السياق الذي التقطت فيه، وطلبنا منه أن يحاول فهم مضمونها المجرد، أي ذلك المضمون العابر للسياقات، لكانت أول خطوة سيقوم بها هي محاولة فهم ما توحي به هيأة الشخص الجالس: هل هو مرتاح أم متحفز؟ أي نوع من أنواع الارتياح تعبر عنه تلك الهيأة. ثم سيحاول أن يستنتج السياق المحتمل لتلك الجلسة: قد يتوقع مثلا أنها قعدة من ينتظر موعد القطار، أو ربما قعدة من ينتظر وصول النادل بكوب القهوة الذي طلبه في بهو فندق مصنف، حيث ينتظر وصول صديقه نزيلِ الفندق.. وإذا حشد خياله أكثر، ربما شطح به قليلا ليرى فيها قعدة من أنهى يوما طويلا من العمل والصفقات وجلس يتملى منجزاته. لن يُصدِّق مُشاهدُنا المحايد أبدا أن الشخص الجالس هو في تلك اللحظة مستغرق في مشاورات جدية تبحث آفاق تشكيل الحكومة المقبلة.
 
صورة السيد وهبي لا تقول لنا إنه في بداية مشاوراته، بل توحي لنا بأنه في نهايتها: مسترخ باسط ذراعيه فوق مسند الأريكة ورجلاه متراكبتان. يبدو في منتهى الراحة. هذه ليست قعدة من يبدأ نهار مشاورات عسيرا، بل قعدة من أنهى ليل مفاوضات طويلا، بدأ قبل الانتخابات بشهور، رتبت كل عناصر تسوياته... ولم تبق إلا اللمسات الفنية الأخيرة.
 
في هيأة (posture) وهبي هذه، وصلتني إشارات لا أتوقع انه كان يقصد بعثها، وإنما انفلتت منه دون أن ينتبه إليها. همس لي وهبي وهو جالس على ذلك النحو، أنه جاء لتزجية الوقت والتقاط بعض الصور، ولم يأت للانهماك في مناقشات مملة حول قضايا المشهد السياسي المقبل. والواقع أنني لم ألتقط هذه الإشارات إلا عندما شاهدت لقاء عزيز أخنوش مع عبد اللطيف وهبي وفاطمة الزهراء المنصوري بجوار صور لقاءاته بقادة الأحزاب الآخرين. ويمكن لكل واحد قرأ هذا المنشور أن يقوم بهذه التجربة بنفسه.
 
 
من جهة أخرى، انبعثت رسالة قعدة وهبي في ذهني حين رأيت المشهد كاملا ولاحظت طريقة جلوسه إلى جانب طريقة جلوس مرافقته المنصوري على الطرف الثاني من الأريكة. فقد كانت هي الأخرى في منتهى الاسترخاء، مما لا يتناسب مع أولى خطوات التشاور.
 
ما هي الإشارات إذن؟
 
الإشارة الكبرى والوحيدة التي تستبطن كل الإشارات هي أن حزب الأصالة والمعاصرة ليس معنيا بوضعية الأغلبية وما تتطلبه من الفعل واليقظة والتحفز للعمل، بل يستمرئ وضعية معارضة كومبارسية كسولة تقع في منطقة رد الفعل وليس في منطقة الفعل، وتهدر الزمن السياسي المغربي. لذلك خرج بعد حصة التقاط الصور ليصرح للصحافة أنه تلقى إشارات إيجابية، دون أن ينتبه إلى الإشارات التي أطلقها هو ومرافقته رغما عنهما من خلال حديث الصورة.
 
فضحَتْ سِرَّكَ الإشاراتُ يا صديقي...