الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

قصة المغرب والجزائر.. قلبي على ليلى وقلب ليلى من حجر

 
عزالعرب لحكيم بناني
 
 
عندما أعلنت الجزائر قرار قطع العلاقات مع المغرب باستثناء المصالح القنصلية، ضحكت في قرارة نفسي، لأنها لا تستطيع فصل الابن عن أبيه والأخت عن أختها والأصهار عن بعضهم بعض. يمكن للسلطات الجزائرية أن تفعل ما شاءت أمام شاشة التلفزة، ولكنها لا تستطيع أن تقطع الأواصر القوية التي تجمعنا.
 
علاوة على ذلك، فإن التبجح بقطع العلاقات أمام المنابر الإعلامية ليس إلا تحصيل حاصل ولا يأتي بأي جديد، ما عدا إذا ما توهم وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة أنه حقق إنجازا عظيما من وحي الخيال والعقلية الخرافية، التي تحدث عنها الناقد الفرنسي رولان بارت في كتابه "أسطوريات" (Mythologiques).
 
تفيد هذه العقلية الأسطورية أن الجلوس أمام عدسات الكاميرا والإعلان عن انقلاب عسكري كافٍ لتوهّم تحقّق الانقلاب، كما لو أن أفعال الكلام إنجاز. والحقيقة أن ما قامت به الجزائر ليس إنجازا ولا خبرا جديدا، بما أن الحرب الإعلامية ضد المغرب قائمة منذ زمان دون الإعلان عن الحرب رسميا، ومنذ ترحيل آلاف المغاربة إلى الحدود سنة 1975. والدليل على ذلك أن أحد المواطنين الجزائريين قد أفشى لي سرا دفينا وهو أنه من أصل مغربي وأن أباه هاجر من الريف إلى الجزائر ولكنه لم يبح بذلك مخافة الترحيل القسري إلى المغرب، بالرغم من مكانته الاعتبارية في الجزائر، وهذا بالضبط ما جعل المرحوم الأستاذ محمد بن حدو متكتما على علاقة أسرته الجزائرية بالمغرب للسبب ذاته.
 
تستطيع الجزائر قطع العلاقات السياسية لكنها لا تستطيع محو التاريخ المشترك، فقد هاجرت عائلات بكاملها تلمسان واستقرت بفاس بعد احتلال الجزائر وأفرغت فاس أحياء كاملة من سكانها من أجل استقرار الوافدين الجدد في حي رأس الجنان على سبيل المثال، وأذكر من بين تلك العائلات القيسي وبوسليخن وبنونة وبوعياد والمقري وغيرهم كثير، كما أكد المؤرخ الفرنسي دانييل ريفي ذلك.
 
لا ننسى أن العلاقات الثقافية كانت دوما قائمة بين البلدين التوأمين، بما أن المرحوم محمد عزيز الحبابي ساهم في بناء الجامعة الجزائرية وشعبة الفلسفة واستدعى الأساتذة المغاربة للتدريس بها مثل عبد الله العروي وطه عبد الرحمن وغيرهما. ولعل أتباع طه عبد الرحمن في الجزائر أكثر قوة وحماسا من أتباعه في المغرب. وقد تعرفت شخصيا على أعمال مالك بن نبي في المغرب خلال سبعينيات القرن الماضي قبل أن يعرفه أغلب الجزائريين. ولا تزال الثقافة تجمعنا إلى اليوم أكثر مما تجمعنا السياسة. ما هو مؤكد هو أن حكام الجزائر لا يعرفون شيئا عن هذا التاريخ المشترك، ولا يريدون معرفة ذلك.
 
لذلك يمكن تحقيق ضغط إيجابي على النظام الجزائري بفضل انخراط المثقفين والفنانين والإعلاميين في بناء مستقبل بديل مبني على الحرية والمساواة وحقوق الإنسان وبفضل انخراط المنظمات والمعاهد والجمعيات في هذا المجهود من أجل المستقبل، وهذا بالضبط ما كان قد وقع بين فرنسا وألمانيا. فالمصالحة بين الشعبين على صعيد الثقافة والاقتصاد والمجتمع هي التي أدت إلى المصالحة بين البلدين وإلى المصافحة الشهيرة بين ميتران وكول في مقابر فيردان. لا يوجد عداء تاريخي بين الشعوب ما دامت علاقات المصاهرة والثقافة والصداقة تجمع بيننا.
 
لا أدري هل تصلح الثقافة ما أفسدته السياسة، ونزرع بادرة أمل جديدة حتى لا يسير النظام الجزائري بشعبه إلى المجهول، أم نكتفي بالقول: قلبي على ليلى وقلب ليلى من حجر؟
 
__________________
باحث أكاديمي وأستاذ جامعي