الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

اللحظات العصيبة التي عاشها الحسن الثاني قبل وأثناء انطلاق المسيرة الخضراء

 
حسن عين الحياة
 
 
مع حلول يوم 6 نونبر من كل سنة، تستعيد الذاكرة الجماعية المغربية حدث المسيرة الخضراء، التي أعادت للمغاربة جزءا كبيرا من الأراضي المغتصبة من قبل الإسبان، وهي مناسبة لها ثقلها في سياقها التاريخي ورمزيتها الكبيرة، من خلال تلاحم وتوحد كل من القصر والشعب حول هدف واحد، هو استكمال الوحدة الترابية للمملكة.
الآن، مرت 46 سنة على ابتكار هذه التحفة التاريخية، ومازالت صور الحشود الغفيرة الآتية من كل فج عميق، وهي تسير في انتظام نحو هدف واحد، مطبوعة في أذهان المغاربة ومحفوظة في كتب التاريخ، كواحدة من أكبر الإنجازات السياسية السلمية في التاريخ المعاصر، خاصة وأن أزيد من نصف مليون مغربي من المتطوعين (وليس 350 ألف متطوع كما يروج)، تركوا الأموال والأولاد والمتاع، وانطلقوا من كل المدن المغربية نحو الأقاليم الصحراوية، سلاحهم الوحيد لتصفية الاستعمار الإسباني، أعلام وطنية ومصاحف قرآنية ونداءات التكبير، لا غير.
لقد اتخذت المسيرة الخضراء، حسب كثير من المهتمين، طابعا جهاديا، وإن بدون سلاح في اليد.. ذلك أن عبارة "طرد العدو من الصحراء المغربية"، التي راجت بقوة في المدن أثناء التعبئة للمسيرة، كانت كافية للدفع بآلاف المغاربة إلى تسجيل أسمائهم للمشاركة في هذا الحدث.. البعض القليل من هؤلاء كان يستشعر آنذاك خطورة الوضع، فاقتحام أراضي مغربية خاضعة للاستعمار الإسباني، مجهزة بالعدة والعتاد العسكري لقوات الجنرال فرانكو، يعتبر مغامرة غير محسوبة العواقب، لكن السواد الأعظم من المغاربة المشاركين لم يلتفتوا إلى عنصر الخطورة، معتبرين أن هذا الاقتحام جهاد أكبر يروم تحرير الأراضي الصحراوية المغربية من آخر "المحتلين" في القارة الإفريقية، وأن هذا الاندفاع الكلي، جسديا ووجدانيا، هو نوع من "طاعة أولي الأمر"، واستجابة لنداء ملك يسعى إلى ربط المغرب بصحرائه، باعتبار هذه الأخيرة امتداد طبيعي وتاريخي للدولة العلوية منذ نشأتها خلال النصف الأول من القرن السابع عشر.
في المقابل، كان الحسن الثاني أكثر توجسا، وهو يوجه أمره بانطلاق هذه الحشود الغفيرة لتحرير الصحراء، فقد عاش، حسب بعض المحيطين به، لحظات عصيبة قبل وأثناء انطلاقة المسيرة الخضراء، إذ لم يطب له طعم ولا نوم، كان كثير السهر وأيضا كثير الاشتغال لترجمة فكرة المسيرة على أرض الواقع.. فمن جهة كان قد بلغ منه الإجهاد مبلغه، وهو يخطط لتعبئة المتطوعين، وتوفير كل المعدات اللوجيستيكية لإنجاح هذا الحدث، ومن جهة ثانية، كان منهمكا في البحث عن دعم عربي ودولي للمسيرة، مع مراقبته الشديدة للوضع الداخلي في القصر الإسباني، حيث يحتضر الجنرال فرانكو.. وفوق هذا وذاك، كان أكثر حذرا من جارته الشرقية الجزائر، ما دفعه إلى وضع أسلحته في حالة تأهب تحسبا لأي طارئ من شأنه إفشال هذه المسيرة.
غير أن العنصر الأكثر تعقيدا، هو تفكير الحسن الثاني في التنحي عن حكم المغرب، الذي عض عليه بالنواجذ، في حال فشلت المسيرة الخضراء ولم تحقق مراميها.. وهو قرار كان قد أمعن التفكير فيه عميقا، بل واستعد له أيضا، إذ بمجرد إعطائه الإشارة لانطلاق هذه الملحمة التاريخية، عاد الملك إلى قصره بالرباط قادما إليه من أكادير.. صعد إلى شرفة القصر ليتأمل اخضرار ملعب الغولف.. سرح ببصره بعيدا إلى زرقة البحر ونظر إليه نظرة مغايرة هذه المرة، ثم أخذ في مخاطبة نفسه: "لقد كان ممكنا ألا تعود إلى الرباط إلا للم حقائبك استعدادا للمنفى.. فلو فشلت المسيرة لكنت استقلت"، يقول الحسن الثاني.
إنها واحدة من اللحظات العصيبة التي عاشها ملك استثمر كل قوته ودهائه كي يحافظ على عرشه، فأن يفكر في الاستقالة معناه شيء واحد، هو أن الصحراء كانت بالنسبة له مسألة حياة أو موت ووجود، أكثر منها مسألة حدود.. لذلك، بمجرد نجاح المسيرة، والضغط على إسبانيا لتوقيع معاهدة مدريد التي استرجع بموجبها المغرب أقاليمه الجنوبية، حتى تنفس الحسن الثاني الصعداء، لأن "المسيرة الخضراء" بعد تحقيقها لأهدافها، أعطت للملك آنذاك "مجدا سياسيا" وموقعا رياديا بين القادة العرب، خاصة وأنه حصد ثناء الخصوم قبل الأصدقاء.
في هذا الملف سنعيد حدث المسيرة الخضراء إلى أصل الحكاية، كما لو أننا نستحضر تفاصيلها من عقل الحسن الثاني الذي هندسها في سرية تامة، قبل أن يفاجئ بها العموم والخصوم، وكيف تمكن هذا الملك الداهية من التفكير في أدنى تفاصيل هذه المسيرة، دون أن يغفل تزويد المتطوعين فيها بالشاي والفاخر والسكاكين والملاعق وعلب الطون وحتى علب السجائر، قبل أن يراهن على فن الخطابة لديه، بقوة سيكولوجية هائلة، في استقطاب بضعة آلاف من المغاربة، ليفاجأ بأكثر من ثلاثة ملايين متطوع..
 
 
 
المغرب وإسبانيا والصراع حول الصحراء
قبل سنة 1975، كان كل شيء يدفع في اتجاه تكريس الوضع القائم في الصحراء المغتصبة، فإسبانيا المُستعمِرة، الخاضعة آنذاك لحكم الجنرال فرانكو، مازالت باسطة نفوذها على كامل الأقاليم الجنوبية للمملكة، والحسن الثاني الذي يبحث عن وسيلة ناجعة لاستكمال الوحدة الترابية، لم يفقد الأمل بعد، وإن كان فرانكو يرفض غير ما مرة إجلاء قواته من الصحراء.
لقد جرت مياه كثيرة تحت جسر المفاوضات المغربية الإسبانية آنذاك، ذلك أن المغرب ما فتئ يطالب باسترجاع صحرائه المستلبة من قبل الإسبانيين، منذ الاستعمار الفرنسي للجزائر سنة 1830، خاصة أن ثمة اتفاقية سرية بين فرنسا وبريطانيا اعترفت، بتاريخ 5 غشت 1890، بمغربية الصحراء، قبل أن تعترف الحكومة الجزائرية المؤقتة، قبيل استقلال بلادها بسنوات قليلة، بالحدود المغربية المتفق عليها، وبالخرائط والرسوم التي تعترف بمغربية الصحراء، وأراضي واسعة من الصحراء الشرقية التي ابتلعتها الجزائر إلى الآن، واعدة المغرب أنها فور تسلمها للاستقلال ستمنحه كل أراضيه، قبل أن تنقلب على وعودها.. لذلك، كان الحسن الثاني دائم التفكير في حل ناجع يمكن المغرب من استرجاع صحرائه أولا، ثم التفكير في استعادة الأراضي المغتصبة الأخرى.. لكن مباشرة بعد تصريح فرانكو بنية منح الاستقلال للصحراء، اتخذ الصراع منحى آخر.. ذلك أن قرار قبول الإسبان نقل السيادة على الصحراء في يونيو 1975، دفع المغرب إلى التعبير عن احتجاجه على هذا المنعطف الخطير، ليجد نفسه مضطرا لطرق أبواب محكمة لاهاي الدولية، وهي خطوة مهمة وجدت إسبانيا نفسها أيضا مضطرة لانتظار الرأي الاستشاري للمحكمة.
وفي انتظار رأي هذه المحكمة، كان الملك الراحل الحسن الثاني يفكر في طريقة للخروج غانما من هذا الوضع الملغوم، وبالتالي إيجاد وسيلة ناجعة تحقق الهدف بسرعة، دون أن تخلف وراءها ردود أفعال الخصوم.. في تلك الأثناء، كانت محكمة العدل الدولية بلاهاي، بعد أزيد من شهرين من البحث والتمحيص، قد أصدرت في 16 أكتوبر 1975 رأيها الاستشاري، الذي يحمل اعترافا صريحا بحق المغرب في صحرائه، حيث اعترفت من خلاله أن روابط البيعة كانت قائمة على مر العصور بين المغرب والصحراء. آنذاك، جاءت فكرة المسيرة الخضراء. لكن من أوحى للحسن الثاني بهذه الفكرة؟ وكيف نفذت إلى ذهنه كالسهم؟
 
 
 
قرار محكمة لاهاي يحرك الحسن الثاني لاسترجاع الصحراء
قبل يومين من إصدار محكمة العدل الدولية بلاهاي رأيها الاستشاري، كان الجنرال فرانكو قد سقط يوم 14 أكتوبر 1975 صريعا لمرض فتاك.. كان يشعر بألم في الصدر وصعوبة في التنفس، وكانت كل الاتجاهات من أعلى مستوى في إسبانيا تدفع في اتجاه تعيين خوان كارلوس رئيسا للدولة للمرة الثانية، مكان فرانكو الذي يزداد وضعه الصحي حرجا يوما بعد يوم. كما أن الحسن الثاني كان يراقب الوضع عن كثب، دون أن يستغله لصالحه، باعتراف جهات نافذة في إسبانيا.
ففي إحدى اعترافاته، قال الملك الإسباني السابق خوان كارلوس، بعد سؤاله هل كان الحسن الثاني، حين قرر تنظيم المسيرة الخضراء، يعلم بمرض الجنرال: "من المؤكد أنه كان يشك في أمر ما"، لكنه استبعد أن يكون الحسن الثاني على علم باحتضار الجنرال، قبل أن يجزم قائلا: "لا أعتقد أنه يمكن القول إن الحسن الثاني كان يستغل الظروف.. لقد كان التوتر بين الرباط ومدريد أكبر من ذلك"، معترفا في الوقت ذاته أن تلك الفترة كانت فترة استقلال في العالم بأكمله، وقد جاء دور إسبانيا لتصفية استعمارها للصحراء، مشيرا إلى أن محكمة لاهاي أصدرت حكمها بخصوص الصراع. وبالتالي، يقول خوان كارلوس: "لم نكن نعرف كيف ينبغي أن ننهي الأمر.. فالحكومة كانت آنذاك منقسمة بين خيارين. الأول يؤيد التفاهم بسرعة مع المغرب وسحب جنودنا، والثاني كان ينزع نحو الأطروحات الجزائرية، التي ستصبح بعد ذلك للبوليساريو، لقد كان الصراع على أشده". لكن هل احتضار الجنرال فرانكو كان وحده سببا في هذا الانقسام؟
بالعودة إلى تاريخ لجوء المغرب إلى محكمة لاهاي، في يونيو 1975، أي قبل إصدار رأيها الاستشاري الذي يعترف بأن روابط البيعة كانت قائمة على مر العصور بين المغرب والصحراء، كان الحسن الثاني يستعد لمخاطبة شعبه في ذكرى ثورة الملك والشعب.. وباعتراف الملك نفسه، لم يكن له موضوع محدد يتحدث من خلاله إلى المغاربة.. إذ قال في إحدى استجواباته: "في 20 غشت، كان علي أن ألقي خطابا بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، وهي الذكرى التي تخلد تاريخ نفي الأسرة الملكية، وعشية ذلك اليوم كنت أتساءل مع نفسي: ترى ماذا عساي أن أقول في هذا الخطاب؟".
لنتوقف هنا لحظة، ونعود إلى بعض المصادر التي قالت إن الحسن الثاني استلهم فكرة المسيرة الخضراء من مسيرة التحرر التي أبدعها "ماوتسيتونغ"، وأيضا من مسيرة التحرير التي قادها "غاندي" في الهند، أو ربما من مسيرات أخرى محفوظة في "ملح التاريخ".. هنا يفند الحسن الثاني كل هذه التكهنات، ليكشف أن المسيرة الخضراء، انبثقت من فكرة راودته في المنام، كيف ذلك؟
يقول الملك الراحل إنه قبل يوم من توجيه خطاب للمغاربة بمناسبة ذكرى 20 غشت، وجد نفسه حائرا في اختيار موضوع يكون لب خطابه، آنذاك يكشف الحسن الثاني: "في المساء، وبعد أن أديت صلاة العشاء أخلدت إلى النوم، فاستيقظت فجأة في منتصف الليل تراودني فكرة نفذت نفوذ السهم في ذهني، وهي: لقد رأيت آلاف الأشخاص يتظاهرون في جميع المدن الكبرى مطالبين باستعادة الصحراء، فلماذا إذن لا ننظم تجمهرا سلميا ضخما يأخذ شكل مسيرة، هنا أحسست بأنني تحررت من عبء ثقيل للغاية"، يقول الحسن الثاني، قبل أن يؤكد أنه بالرغم من تولد هذه الفكرة لديه، اكتفى في اليوم الموالي بالتطرق إلى قضايا عامة في خطابه، في حين احتفظ بفكرة تنظيم المسيرة الخضراء إلى غاية نضجها، لتظل سرا يحمله الملك وثلاثة من كبار المسؤولين في الجيش فقط، هم الجنرال أشهبار والجنرال عبد العزيز بناني، والكولونيل ماجور الزياتي، قبل أن يكشف عنها بعد حوالي شهرين، ما أربك إسبانيا التي كانت آنذاك، تعيش فترة انتقال السلطة بين فرانكو والملك خوان كارلوس.
 
 
 
قرار تنظيم المسيرة الخضراء يربك إسبانيا
قبل الحديث عن اللحظات العصيبة التي عاشها الحسن الثاني للإعداد للمسيرة الخضراء، يمكن القول إن إسبانيا عاشت بدورها لحظات عصيبة أيضا، خاصة بعدما علمت بقرار الملك الحسن الثاني الداعي إلى توجيه حشود غفيرة من المغاربة لاقتحام الأراضي الصحراوية المغتصبة، الخاضعة للنفوذ الإسباني، بطريقة سلمية.
ويعترف الملك السابق خوان كارلوس، في إحدى استجواباته، أن الوضعية كانت حرجة خلال أكتوبر 1975، وأنه كان عليه أن يتخذ قرارات خطيرة للغاية، "لقد عرفت إسبانيا منذ مرض فرانكو فراغا في السلطة لا نقاش حوله، إذ لم يتجرأ أحد على فعل شيء، ولم يتجرأ أحد على التحرك، ولا أن يتحمل أحد أدنى المسؤوليات"، يقول خوان كارلوس، قبل أن يؤكد أنه اجتمع مع رئيس الحكومة ووزير الشؤون الخارجية وكل قادة أركان الجيش، ليخبرهم أنه سيركب طائرة في صباح الغد والتوجه مباشرة إلى مدينة العيون.. ساعتها، يقول الملك الإسباني السابق، أصيب الكل بالذهول، فاعترض على ذلك وزير الخارجية "كورتينا"، فيما شعر أن باقي العسكريين، رغم التزامهم الصمت، يؤيدون قراره بالتوجه إلى العيون، ساعتها قال لهم كارلوس: "اسمعوني جيدا، إن فرانكو يشرف على الموت، وأنا الوريث لمزاولة المهام، سأذهب إلى العيون لكي أوضح لغوميز سالازار، المشرف عسكريا على المنطقة، ولرجاله، ما ينبغي أن نفعله وكيف سنفعله". وكان كارلوس من خلال اعترافه يود أن يقول للجنود الإسبان: "سننسحب من الصحراء بشكل منتظم وبعزة نفس، ليس لأننا انهزمنا، بل لأن إسبانيا لا يمكنها إطلاق النار على حشود من النساء والأطفال العزل". من جهة أخرى، كانت إسبانيا تراهن على "الجماعة الصحراوية" في الصحراء التي بسطت فيها نفوذها العسكري، باعتبار هذه الجماعة الممثل الشرعي للسكان في الصحراء، وكان رئيسها هو ولد سعيد الجماني، الذي كان في الوقت نفسه عضوا في مجلس النواب الإسباني. والحاصل، وفق ما أشارت إليه العديد من المصادر، أن الجماني ترك الصحراء أسبوعا قبل انطلاق المسيرة الخضراء وحلق في اتجاه إسبانيا، ومن ثمة إلى باريس، ليعود مباشرة يوم 3 نونبر إلى المغرب، وتحديدا إلى مراكش، ثم القصر الملكي بأكادير، ليقدم البيعة للحسن الثاني، وهي ضربة قوية لإسبانيا والجزائر آنذاك، دفعت الملك الراحل إلى خلع سلهامه وتقديمه للجماني، الذي كان من خلال بيعته كما لو أنه قدم للحسن الثاني واحدا من مفاتيح الصحراء.
في سياق آخر، كان الملك الحسن الثاني، المنهمك في الإعداد لتنظيم المسيرة الخضراء، لا يستبعد فكرة نشوب حرب حول الصحراء، فقد جاء في إحدى الوثائق الأمريكية أنه مستعد للقتال كحل من الحلول. كيف ذلك؟
 
 
 
الملك لم يكن يستبعد خيار الحرب أثناء المسيرة
كان الهم الأكبر الذي يحمله الحسن الثاني قبل انطلاق المسيرة الخضراء، هو تسليح قواته العسكرية بعد إحداثه تغييرا في عقيدة الجيش، يروم بالدرجة الأولى استرجاع الصحراء المغربية. لذلك، كما تؤكد بعض الوثائق الأمريكية، دخل المغرب في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل منحها دعما عسكريا له، يتمثل في بيعها للمملكة نوعا محددا من الدبابات. غير أنه بعد الاتفاق حدث تأخير في التسليم، ما دفع الحسن الثاني إلى إبداء قلقه، في لقاء جمعه مع السفير الأمريكي في المغرب، روبرت نيومان، في 6 يونيو 1974، لكن السفير الذي كان يتحدث إلى الملك في قصر الصخيرات بعث تطمينات للملك آنذاك، بأن التعاون بين البلدين سيصل إلى أقصى الحدود، وذلك بتعليمات من المسؤولين الأمريكيين، وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون. غير أن أمريكا كانت لا تريد الإقدام على أية خطوة من شأنها ترك الانطباع لدى إسبانيا والجزائر بأنها تناصر المغرب، وإن كانت في الوقت نفسه تريد أن تطرد الشكوك من ذهن الحسن الثاني بشأن تعاونها من عدمه مع المغرب.
لقد جرت مفاوضات عسيرة بين الطرفين بشأن السلاح، كما تكشف بعض الوثائق الأمريكية، فالمغرب كان يريد حوالي 100 دبابة فقط، ومستعد للدفع من أجل اقتنائها، كما عبر الملك الحسن الثاني عن قلقه بسبب التأخير في التسليم، بالقول إن المغرب لا يطلب الحصول على هدايا، بل هو مستعد للدفع مقابل الأسلحة التي يريد، وأنه ينبغي أن يعلم الأمريكيين أنه يرغب في شرائها بهدف حماية أمن البلاد، خاصة وأنهم يقولون إن أمن المغرب يهمهم.
بعد ذلك، تشير المصادر ذاتها، حلق الجنرال أحمد الدليمي إلى أمريكا من أجل حث الأمريكيين على احترام الاتفاق المسبق بين البلدين، قبل أن يتحول الخلاف إلى نوع الدبابات التي يريدها المغرب.. فهذا الأخير كان يسعى إلى امتلاك دبابات من نوع (M60)، فيما رأت أمريكا أن عملية توفير هذا النوع تتطلب سنوات أخرى، ليستقر الرأي في آخر المطاف على دبابات من طراز آخر.. حيث تسلم المغرب في أكتوبر 1975، أي قبل أسابيع قليلة من انطلاق المسيرة الخضراء، كما توضح ذلك إحدى الوثائق الأمريكية، 28 دبابة من طراز (M48A3)، وصلت إلى ميناء الدارالبيضاء، وكان الاتفاق كما توضح إحدى الوثائق الصادرة عن الخارجية الأمريكية، يقضي بنقل هذه الدبابات إلى شرق المغرب، لكن فوجئ الأمريكيون بطلب المغرب نقل هذه الآليات إلى منطقة تبعد بحوالي 200 كلم جنوب الدارالبيضاء.
ساعتها تلقت واشنطن تطمينات، وفق الوثائق ذاتها، تقول إن الموقع الذي تم نقل الآليات العسكرية إليه، لن يكون بإمكان المغرب استعماله ضد إسبانيا، لكنها ستكون فعالة في صد أي هجوم للجزائر داخل المغرب.. هذه التطمينات لم تكن كافية بالنسبة لأمريكا، حيث شعرت بأن تنفيذ الطلب المغربي سيجعل الولايات المتحدة الأمريكية كما لو أنها تقدم مساعدات من أجل استرجاع المغرب للصحراء.
وتشير وثائق أخرى إلى أن أمريكا توصلت، في مطلع أكتوبر 1975، بمعلومات استخباراتية سرية تؤكد نية الحسن الثاني في تنفيذ هجوم في الصحراء، وأنه قرر اجتياحها خلال 3 أسابيع المقبلة، مباشرة بعد انقضاء شهر رمضان، مع وثوق الملك بربحه الحرب، لأن جل القوات الإسبانية الموجودة في الصحراء، حسب الوثيقة، ضعيفة التكوين ولن تقاتل، كما أن القوات الإسبانية في جزر الكناري ضعيفة بدورها ولن يتم استعمالها ضد المملكة، وأن المغرب يستعد لمواجهة عسكرية مع الجزائر التي ستتدخل بمجرد اقتحام المغرب للصحراء.. الوثيقة تكشف أيضا أن المغرب في حال دخل في مواجهة مع الجزائر، كان سينتظر دعما من قبل دول عربية عديدة، في مقدمتها مصر وسوريا، اللتين شارك المغرب معهما في الحرب ضد إسرائيل سنة 1973، كما كان يعول على المملكة العربية السعودية في حال نشوب حرب مع جارته الشرقية، وأن أغلب القوى العربية كانت ستقف إلى جانب المغرب.
لكن الملاحظ، أن الحسن الثاني غلّب الخيار السلمي على العسكري، ما أعطى للمسيرة الخضراء بعدا حضاريا وسلميا، حقق من خلالها أهدافا كبيرة دون أن تراق قطرة دم.
 
 
 
524 ألف مشارك في المسيرة الخضراء وليس 350 ألفا
عندما اختمرت فكرة تنظيم المسيرة الخضراء في ذهن الحسن الثاني في غشت 1975، كان أول إجراء قام به هو استدعاؤه وزيري التجارة والمالية في حكومة أحمد عصمان آنذاك، وكان شهر رمضان على الأبواب، قبل أن يقول لهما: "إن شهر رمضان قد يكون قاسيا، فالمحاصيل الزراعية كانت متوسطة، فهل يمكننا من باب الاحتياط تخزين كمية من المواد الغذائية؟ حتى إذا وجدنا أنفسنا في حاجة إلى عرضها في السوق أمكننا المحافظة على سعر ثابت لها"، حينها أجابه الوزيران "بكل تأكيد"، قبل أن يسألاه عن الكمية التي يتعين تخزينها، ليرد الحسن الثاني "تموين يكفي لشهر أو شهرين"، بعدها انصرف الوزيران دون أن يفطنا إلى الغاية من تخزين هذه المواد، فقد كان الحسن الثاني آنذاك يعد العدة للمسيرة، دون أن يطلع أحدا على فكرته.. لكن بعد ذلك، سيشارك سره مع ثلاثة من الضباط الذين أصبحوا إلى جانبه المسؤولين عن تنظيم المسيرة، وهم كما أشرنا سابقا، الجنرال محمد أشهبار، الكاتب العام لوزارة الدفاع، والجنرال محمد بناني، من المكتب الثالث آنذاك، والكولونيل ماجور محمد الزياتي، من المكتب الرابع، هؤلاء سيؤدون اليمين أمام الملك بعدم إفشاء السر، قبل أن يشرح لهم أن عدد المشاركين في هذه المسيرة سيصل إلى 350 ألف مشارك، ما جعلهم متحمسين للفكرة. وهكذا أخذ هؤلاء الضباط الثلاثة في العمل بسرية تامة دون استعمال الكاتبات أو أجهزة أخرى، إذ كانوا يحررون كل شيء بأيديهم، وشمل عملهم إحصاء كمية الخبز اللازمة لإطعام المتطوعين، وعدد الشموع، وكل اللوازم الضرورية للمسيرة، حيث ظل الملك وضباطه الثلاثة يعملون في سرية تامة قرابة شهرين، إلى غاية مطلع شهر أكتوبر، وهو التاريخ الذي سيكشف من خلاله أمر المسيرة الخضراء للحكومة، وأيضا لعمال الأقاليم، من أجل فتح باب المكاتب لتسجيل المتطوعين في الوقت المحدد.
ومن خلال اطلاعه على وثائق القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، كشف عبد الهادي بوطالب، الذي كان وقتها سفيرا للمغرب في واشنطن، أنه عكس ما راج من كون المسيرة الخضراء شارك فيها 350 ألف شخص، فإن عدد الذين شاركوا فيها بلغ 524 ألف شخص، مؤكدا في إحدى اعترافاته، أنه تم فتح باب التطوع في البداية ليصل العدد إلى أكثر من 3 ملايين متطوع، فوقع التفكير في تقليص العدد إلى مليون شخص، قبل أن يتم حصره في 524 ألف متطوع.. مشيرا في الآن نفسه أن المسيرة الخضراء شهدت متطوعين من جنسيات أخرى، حيث تم فتح باب المساهمة للوفود التي تأتي من البلدان الصديقة، وهكذا يقول بوطالب، كان هناك متطوعون من السعودية والكويت والعراق وقطر والأردن وسلطنة عمان ولبنان والسودان والغابون، وآخرون من الولايات المتحدة الأمريكية كانوا ضد الاستعمار، ومن أنصار التحرر... حتى إنه بعد انطلاق المسيرة، كان كل من هؤلاء، حسب المصدر نفسه، يحمل علم بلاده. غير أن تنظيم مسيرة من هذا الحجم كان يتطلب تدبيرا محكما وتموينا مضبوطا، وهو ما أدى بالحسن الثاني، بعد الانتهاء من وضع اللمسات الأخيرة للمسيرة، إلى عيش واحدة من أصعب اللحظات في حياته.
 
 
 
الحسن الثاني والخلاف مع القذافي حول المسيرة
قبل الحديث عن الإعداد المادي واللوجيستيكي للمسيرة، كان رأي الحسن الثاني قد استقر على أن يقودها هو بنفسه، مادام هو من ابتكرها وسهر على تنظيمها في أدنى تفاصيلها، لكن يقول الوزير الأول الأسبق أحمد عصمان، إن الحسن الثاني لم يعدل عن هذه الفكرة إلا بعد تدخلات كثيرة لثنيه عن هذا الأمر، خوفا على حياته، لذلك، وقبل انطلاق المسيرة بليلة واحدة، اتصل الملك آنذاك بأحمد عصمان، الذي هو صهره وفي الوقت نفسه الوزير الأول في حكومته، مخبرا إياه بأنه هو(عصمان) من سيقود المسيرة الخضراء يوم غد، فما كان من عصمان إلا أن استقل طائرة حملته إلى طانطان، ليكون في طليعة المسيرة في انتظار الانطلاق الرسمي لها.
بعض المعطيات، أن العقيد الليبي معمر القذافي كان يتحرق كي يكون في طليعة المشاركين في المسيرة الخضراء، لكن رفض الحسن الثاني لذلك دفعه إلى أن يكن العداء له.. هنا يعترف الحسن الثاني بهذه الواقعة، في استجواب له، جوابا عن سؤال حول السبب الذي جعله والقذافي يتجاهلان بعضهما البعض، ليجيب الملك: "إن ذلك يعود أساسا إلى كونه (أي القذافي) لم يغفر لي عدم السماح له بالمشاركة في المسيرة الخضراء التي نظمتها سنة 1975... فقد وجه لي سنة 1975 –عندما كنت بصدد وضع اللمسات الأخيرة لانطلاق المسيرة– برقية رسمية يقول فيها: (بصفتي ثوريا، فإني أساندكم ألفا في المائة، وإني أريد القدوم إلى المغرب على رأس وفد ليبي للتصدي للاستعمار، عدونا المشترك)، ولم يتوصل مني بتاتا بأي جواب"، يقول الحسن الثاني، قبل أن يوضح أنه خلال اللقاء الذي جمع بينهما بوجدة سنة 1984، أسرَّ القدافي للحسن الثاني أنه لم يتمكن من فهم رفضه المشاركة في المسيرة، ليجيبه الملك قائلا: "اسمع يا صديقي العزيز، أود أن أطرح عليكم السؤال التالي وأن تجيبوني بصراحة: لو كنتم قد شاركتم في المسيرة، فهل كنتم ستتفقون معي عندما أصدرت أمرا إلى الثلاثمائة والخمسين ألف مشارك بالرجوع؟"، ورد في الحال: "لا، ما كنت لأتراجع"، فقلت له: "في هذه الحالة كان من الأحسن ألا تشاركوا في المسيرة الخضراء، لأنني كنت سأضطر إلى اقتيادكم إلى الحدود بواسطة دركيين، وذلك ما كان سيسبب حادثا دبلوماسيا مروعا".
 
 
 
أقوى اللحظات العصيبة في حياة الملك
ورد في كثير من اعترافات المقربين للملك الراحل الحسن الثاني، أن هذا الأخير عاش أياما عصيبة للغاية خلال مرحلة الإعداد لتنظيم المسيرة الخضراء، في خريف سنة 1975، إذ إن كثيرا من هؤلاء أجمعوا على أن هذا الملك الذي وصف بالصلابة والقوة عاش ظرفا صعبا، كادت تنمحي معه تلك الكاريزما التي ميزته عن كثير من الزعماء في الجغرافية العربية.
لقد أصبح الملك البشوش، الذي لا يخلد إلى النوم إلا بعد سماع حديث المؤنسين أو الإنصات لشدو المطربين، شارد الذهن لا يحلو له طعام ولا يرف له جفن.. كان تفكيره منصبا على نجاح المسيرة فحسب، واسترجاع الصحراء المغتصبة إلى حضن المغرب.
ففي لحظة واحدة، انعزل عن الجميع وتعلق بسماعة الهاتف، لمعرفة آخر الأخبار والتطورات.. إنها مجازفة كبيرة، ومغامرة مفتوحة على كل الاحتمالات.. لم يعد الملك الفنان الناهم لروائع الأدباء يقرأ الكتب، ولم يعد حيويا في مقارعة جلسائه ومؤنسيه، كما خفت حماسته في مناقشة أقرب مؤنس له (الراحل محمد بين بين) حول الشعر وعوالم الحكي.. لقد دخل الملك في متاهة من التفكير والإرهاق وغياب طعم النوم، كان مركزا أكثر على مسيرة الثلاثمائة ألف مغربية ومغربي فقط. وهنا يقول مؤنسه الراحل بين بين: "إن أصعب اللحظات التي عاشها الحسن الثاني كانت عندما عزم على تقديم استقالته من الملك، في حال فشل في تحقيق مرامي المسيرة الخضراء". فقد كان المرحوم – يقول بين بين – عازما على مصارحة المغاربة في حال فشل المسيرة وتقديم استقالته من الملك (...) نعم لقد كان يقول إنه إذا نجح في المسيرة فسيكون بذلك قد قدم خدمة كبيرة للمغرب، أما إذا فشل، فعلى المغاربة أن يبحثوا عمن يقوم مقامه".
هذه اللحظات العصيبة التي كشف عنها بينبين، زاد من تأكيدها الحسن الثاني في كتابه "ذاكرة ملك"، حيث أشار إلى أنه عندما عاد من الرباط قادما إليها من مدينة أكادير، صعد إلى شرفة القصر ليتأمل اخضرار ملعب الغولف.. نظر إلى البحر نظرة مغايرة، وأخذ في مخاطبة نفسه – يقول الحسن الثاني: "لقد كان ممكنا ألا تعود إلى الرباط إلا للم حقائبك استعدادا للمنفى.. فلو فشلت المسيرة لكنت استقلت". وكشف الحسن الثاني أن قراره لم يأت من فراغ ولم يكن وليد لحظة ضعف، وإنما جاء بعد عملية ذهنية عسيرة – يقول الحسن الثاني: "إنه قرار أمعنت التفكير فيه طويلا، بحيث كان يستحيل علي أن أترك على الساحة ضحايا لم يكن لهم من سلاح سوى كتاب الله في اليد والراية المغربية في اليد الأخرى، إن العالم كان سيصف عملي بالمغامرة.. وكما نقول عندنا في اللهجة المغربية "ما كان غيبقا ليا وجه نقابل به الناس".
 
 
 
الملك يعد المؤونة اللازمة لكل مشارك في المسيرة
لقد كان طبيعيا أن يعيش الحسن الثاني كل هذا المخاض، خاصة وأن الاستعدادات الفعلية للمسيرة الخضراء، من تسجيل المتطوعين وتوفير المؤن وتأطير المؤطرين... جرت كلها، كما قال عبد الهادي بوطالب، خلال 18 يوما فقط.. وهي مدة قليلة جدا، خاصة وأن الكيفية التي جرى من خلالها الإعداد للمسيرة كان يتطلب شهورا عديدة.
وانطلاقا من الوثائق التي اطلع عليها عبد الهادي بوطالب، بحكم اشتغاله على هذا الملف، وهي من إعداد القوات المسلحة الملكية، فبعد الوصول إلى عدد المتطوعين المطلوبين للمشاركة في المسيرة الخضراء، تم وضع على رأس كل قبيلة رئيسا يعرف أعضاء قبيلته، كما تم وضع كل قائد وخمسة شيوخ للإشراف على تأطير 2500 متطوع، ليصل عدد القياد إلى 165 قائدا و592 شيخا.. ولأخذ كافة الاحتياطات اللازمة، فكر الحسن الثاني في وضع سياج بشري حول المسيرة، يتكون من رجال أمن مدنيين، حتى لا يتسرب إليها من ليس مسجلا في لوائحها، وأيضا حتى لا تحدث فوضى أثناء سيرها، فضلا عن تلقي المؤطرين تكوينا سريعا، حيث لقنوا، حسب المصدر ذاته، دروسا في التوعية التربوية والسياسية وكيفية المخاطبة والتعامل مع المشاركين في هذه المسيرة، فضلا عن ذلك تلقى الفقهاء وحفظة القرآن المشاركين بدورهم في المسيرة تكوينا روحيا من قبل أئمة المساجد المؤهلين.. وبالتالي، تطلب الإعداد ماديا ولوجيستيكيا لإنجاح هذا الحدث آلاف الأطنان من المواد الغذائية وملايين اللترات من الماء والبنزين وغيرها، يوضحها الجدول التالي:
 
 
 
الملك يحمس الشعب ويأمر بضبط النفس ويكسب رهان المسيرة
قبل انطلاق المسيرة الخضراء في 6 نونبر 1975، وجّه الحسن الثاني خطابا للمغاربة يتضمن عدة نصائح للمشاركين في هذه المسيرة، قائلا: "كأب مرشد لك، وكأمير للمؤمنين وقائد لسياستك، سأزودك شعبي العزيز ببعض النصائح... أولا: شعبي العزيز، بمجرد ما تخترق الحدود عليك أن تتيمم من الصعيد الطاهر، تلك الرمال، ثم تستقبل القبلة وتصلي بأحذيتك لأنك مجاهد وتصلي بأحذيتك شكرا لله
تعالى..
ثانيا: شعبي العزيز، عليك أن تعلم أن هذه المرحلة من المسيرة ليست كسابقتها، هذه المرحلة تستلزم منك ضبطا أكبر ونظاما أكثر.. فعليك أن تكون مطيعا سامعا للذين هم يؤطرونك، حتى يمكننا أن نسير بمسيرتنا إلى الهدف المطلوب.
ثالثا: شعبي العزيز: كما قلت لك في خطابي الأول: إذا لقيت إسبانياَ، كيفما كان ذلك الإسباني، عسكريا أم مدنيا، فصافحه وعانقه واقتسم معه مأكلك ومشربك وأدخله مخيمك، فليس بيننا وبين الإسبان غل ولا حقد، فلو أردنا أن نحارب الإسبان لما أرسلنا الناس عزلا، بل لأرسلنا جيشا باسلا، ولكننا لا نريد أبدا أن نقتل ولا أن نسفك الدماء، بل نريد أن نسير على هدى وبركة من الله في مسيرة سلمية.
فعانق إخوانك وأصدقاءك الإسبانيين عسكريين كانوا أم مدنيين، وإن أطلقوا عليك نارا فتسلح بإيمانك وقوتك، وزد في مسيرتك فلن ترى في آخرها إلا ما يرضيك ويرضي راحتك، وراحة ضميرك. وفيما إذا تعدى عليك المعتدون من غير الإسبان شعبي العزيز في مسيرتك، فاعلم أن جيشك الباسل هو موجود مستعد لحمايتك ووقايتك ضد كل من أراد بك السوء...".
بعد هذا الخطاب الحماسي التوجيهي، انطلقت المسيرة الخضراء نحو هدفها المرسوم، وكانت في كل خطوة لها تزيد نبضات الحسن الثاني في الخفقان، كما يزيد توجس الإسبان الذين التزموا لتعليمات الحاكم الإسباني الجديد خوان كارلوس. ففي مذكرات هذا الأخير، قال: "ونحن في العيون، ودون الحاجة إلى منظار، كنا نرى حشودا كبيرة ترفع الأعلام ، لم تكن تنتظر سوى الأوامر، لتنطلق حتى تصل إلى فوهات رشاشاتنا، وكان بإمكاننا أن نرى في الصفوف الأمامية النساء والأطفال أكثر من الرجال، واقتنعت أنه إذا لم نتراجع فإننا سنرى مذبحة رهيبة..."، ويضيف خوان كارلوس أنه بمجرد وصوله إلى العيون آنذاك، نصح جنوده وأوضح لهم بأنه لا يمكنهم أن يتخلوا عن مواقعهم بسرعة، ولا يمكنهم أيضا أن يطلقوا النار على الحشود الغفيرة من الناس العزّل الذين كانوا يتقدمون حولهم، لذلك، يقول كارلوس لجنوده: "سنفاوض حول الانسحاب في ظل شروط تكون مشرفة لنا".
لقد ضغط الملك الحسن الثاني، من خلال المسيرة الخضراء، على إسبانيا، ولما أخذ منها وعدا بإرجاع الصحراء إلى المغرب، أوقف المسيرة، وأمر المشاركين بالعودة إلى نقطة الانطلاقة، لتبدأ بعد ذلك مفاوضات سياسية أخرى أفضت إلى التوقيع على معاهدة مدريد بين المغرب وموريتانيا وإسبانيا. وهي المعاهدة التي أعادت الحق للمغرب في صحرائه.